عودة هواوي إلى جماعة الضغط الأوروبية: بين “الرقابة المشروطة” وقلق النفوذ الصيني

بعد أشهر فقط من طردها من واحدة من أبرز جماعات الضغط في بروكسل، عادت شركة هواوي الصينية إلى المشهد الأوروبي من جديد — ولكن هذه المرة بصفة “عضوٍ سلبيٍّ” لا يُسمح له بالمشاركة الفعلية.
وأثار قرار SolarPower Europe (SPE)، اللوبي الأقوى في قطاع الطاقة الشمسية بالاتحاد الأوروبي، بإعادة عضوية هواوي، عاصفة من التساؤلات حول مدى قدرة بروكسل على تحصين نفسها من النفوذ الصيني، وسط جهود أوروبية متزايدة للحد من اختراق بكين للبنية التحتية الحيوية.
وفي مارس/آذار 2025، كانت هواوي قد طُردت من جميع المنصات الأوروبية الكبرى بعد اتهامات بالرشوة وشراء النفوذ داخل البرلمان الأوروبي، في واحدة من أكبر فضائح المال مقابل التأثير في بروكسل.
وشملت التحقيقات التي قادتها السلطات البلجيكية مداهمة 21 موقعًا وتوجيه تهم بالفساد والتنظيم الإجرامي إلى أربعة أشخاص، بينهم موظفون في الشركة.
وفي أعقاب الفضيحة، أعلنت المفوضية الأوروبية حظر الاجتماعات مع أي جهة تمثل هواوي، كما فقدت الشركة عضويتها في جماعات ضغط رئيسية، بينها SolarPower Europe. وبدت الخطوة حينها حاسمة في وضع حدودٍ فاصلة بين بروكسل وبكين.
لكن بعد أقل من ستة أشهر، قررت المجموعة الأوروبية إعادة الشركة إلى عضويتها، بحجة “التوضيحات الجديدة من المفوضية وهواوي نفسها”.
عضوية “مقيّدة” ولكن مؤثرة
بحسب رسالة مسرّبة، أوضح وولبورغا هيميتسبرغر، الرئيس التنفيذي لـSolarPower Europe، أن إعادة هواوي تمت “بشروط تضمن الشفافية الكاملة”، أهمها منع الشركة من المشاركة النشطة في لجان السياسات أو أعمال المناصرة داخل اللوبي، في محاولة “لضمان قدرة المجموعة على الوصول إلى السلطات الأوروبية دون قيود”.
لكن المثير للجدل هو أن الاجتماع الذي أعاد هواوي إلى صفوف المنظمة شهد أيضًا فشل مجلس الإدارة في تمرير وثيقة توصية كانت تدعو الاتحاد الأوروبي لتقليص اعتماد شبكات الطاقة على الشركات الصينية — بما فيها هواوي.
وبحسب مصادر مطلعة داخل قطاع الطاقة، فإن النسخة النهائية للتقرير الداخلي عن الأمن السيبراني التي اعتمدتها المجموعة لاحقًا حذفت أي إشارة مباشرة إلى الصين، رغم أن المسودة الأولى كانت تصفها بأنها “تهديد متزايد للبنية التحتية الأوروبية”.
وهذه التطورات دفعت مراقبين إلى التساؤل: هل ما زالت هواوي تؤثر في دوائر الضغط الأوروبية رغم القيود الشكلية المفروضة عليها؟
النفوذ عبر الطاقة الخضراء
بعيدًا عن شبكات الجيل الخامس التي وضعتها في قلب الجدل الأمني منذ 2019، وسّعت هواوي نشاطها الأوروبي نحو قطاع الطاقة المتجددة، لتصبح أكبر منتج للعاكسات الشمسية (Inverters) التي تُستخدم في تحويل التيار الكهربائي الناتج عن الألواح الشمسية إلى تيار متردد يُغذّي الشبكات الوطنية.
وتُقدّر حصة الشركات الصينية في سوق الطاقة الشمسية الأوروبية بنحو 65%، تحتل هواوي منها النسبة الأكبر.
لكن خبراء الأمن السيبراني يحذرون من أن هذه الهيمنة تمنح الصين نقطة تحكم رقمية حساسة في شبكات الكهرباء الأوروبية.
وقالت إريكا لانجيروفا، الباحثة في معهد الطاقة التشيكي UCEEB، خلال إحاطةٍ في بعثة الولايات المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي، إن “الشركات الصينية تحتفظ بإمكانية وصولٍ عن بُعد إلى هذه الأجهزة، ما يسمح بالتحكم بها أو تعطيلها عن بعد”.
وأشارت إلى أن أي ثغرة في البرامج الثابتة (Firmware) قد تُستخدم “لإيقاف وحدات كاملة من الشبكة”.
وجعلت هذه المخاوف بعض الدول الأوروبية — مثل ألمانيا وهولندا — تدرس تشريعات لتقليل الاعتماد على المعدات الصينية في مشروعات الطاقة والبنية التحتية الذكية.
لكن داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، لا يزال الانقسام قائمًا بين من يرى في تشديد القيود “حماية أمنية ضرورية”، ومن يخشى أن يؤدي ذلك إلى إبطاء الانتقال الأخضر ورفع تكاليف الطاقة.
نموذج الضغط الصيني: الواجهة الأوروبية والتمويل المحلي
لطالما اعتمدت هواوي على الضغط غير المباشر في بروكسل: عبر الانضمام إلى منظمات أوروبية تضم شركات طاقة واتصالات كبرى، وتمويل فعاليات ومعارض، بل وحتى توظيف مسؤولين سابقين في مؤسسات الاتحاد الأوروبي برواتب مرتفعة للمساعدة في “صياغة اللغة المقبولة سياسيًا”.
ويقول أحد مسؤولي الصناعة إن عضوية هواوي في SPE، حتى بصفتها “عضوًا سلبيًا”، توفر لها نافذة اطلاع على محاضر الاجتماعات والمراسلات الداخلية مع المفوضية الأوروبية، مما يمنحها “قدرة تأثير ناعمة” على اتجاه السياسات دون حضور رسمي.
وتؤكد شركة SolarPower Europe أن قرارها “توافقي” ويهدف إلى “توسيع الشمولية دون المساس بالأمن”. لكن محللين في بروكسل يرون أن هذه العودة تمثل اختبارًا جديدًا لصلابة الموقف الأوروبي في مواجهة النفوذ الصيني، خاصة بعد الضغوط الأمريكية المستمرة لدفع أوروبا إلى موقف أكثر تشددًا حيال بكين.
فالولايات المتحدة أبقت هواوي في قائمة الكيانات المحظورة منذ 2019 باعتبارها “تهديدًا للأمن القومي”، بينما تبدي أوروبا مرونة نسبية، مدفوعة باحتياجاتها التكنولوجية والطاقة المتجددة منخفضة التكلفة.



