السياسة المضطربة تؤجج حرائق الغابات في جنوب أوروبا

في وقت تعاني فيه دول جنوب أوروبا من موجة حرائق غير مسبوقة، تحولت الاستجابة المتعثرة في قبرص إلى نموذج صارخ لمدى ارتباط الكوارث الطبيعية بالتقاعس السياسي وضعف التنسيق الحكومي.
في مارس الماضي، أعلنت الحكومة القبرصية عن جاهزية غير مسبوقة لموسم الحرائق، متفاخرة بـ11 طائرة إطفاء و25 مركبة جديدة، إلى جانب زيادة طواقم الإطفاء بنسبة 27%. لكن الواقع سرعان ما فضح هذه التصريحات، حين اندلع أسوأ حريق غابات تشهده البلاد منذ عقدين جنوب مدينة ليماسول.
فشل نظام الإنذار… وتأخر في طلب المساعدة
أخطر ما كشفه الحريق هو فشل نظام الإنذار المبكر، الذي لم يُفعّل مطلقًا عند اندلاع النيران، رغم أن تحديثه كان مخططًا لعام 2024. وقد تأجل المشروع بسبب نزاعات تعاقدية، بعد طعن شركات على اختيار الحكومة لمزوّد الخدمة، مما أدى إلى إلغاء العقد وإعادة طرحه دون تنفيذ.
وإلى جانب الفشل التقني، شكا السكان المحليون من غياب استراتيجية واضحة للإخلاء، حيث ضاعت التعليمات وسط ارتباك كبير، ما أدى إلى مقتل زوجين مسنين عُثر عليهما داخل سيارتهما.
وبينما تدارك الاتحاد الأوروبي والدول المجاورة الوضع عبر إرسال طائرات إطفاء، قال خبراء إن الحكومة القبرصية تأخرت كثيرًا في طلب المساعدة، في لحظة حرجة كانت كفيلة بإنقاذ الأرواح والممتلكات.
الحكومة في مرمى الاتهام
الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس ظهر على التلفزيون الوطني ليقدّم اعتذارًا علنيًا، لكنه لم يقدّم إجابات حاسمة حول سبب الإخفاقات، مكتفيًا بالقول إن تحقيقات ستُجرى، و”نقاط الضعف ستُعالج”.
وزارة الداخلية من جهتها نفت الإهمال، وصرّح الوزير كونستانتينوس يوانو بأن عمليات الإخلاء “نُفذت كما ينبغي”، مضيفًا: “إذا حدث خطأ ما، فهذا لا يعني بالضرورة أن المسؤول السياسي هو المذنب”.
أزمة إقليمية تتفاقم
الإخفاق في قبرص ليس حالة فردية. إذ تشهد البرتغال، إسبانيا، فرنسا، إيطاليا، اليونان، وتركيا موسم حرائق غير مسبوق، حيث احترقت مساحة تضاعفت عن العام الماضي، بحسب مركز الأبحاث المشترك للاتحاد الأوروبي. ويُعزى ذلك إلى تغير المناخ، وارتفاع درجات الحرارة لسنوات متتالية، والجفاف الحاد، ما جعل مواجهة الحرائق أكثر صعوبة.
في قبرص، أشار سافاس إيزيكيل، رئيس إدارة الغابات، إلى أن البلاد “لم تكن مستعدة تمامًا لهذا النوع من الحرائق”، لافتًا إلى أن الجفاف استنزف الموارد المائية، ما قيد عمليات الإطفاء.
عقبات سياسية وتقنية
قبرص ليست عضوًا في برنامج rescEU الأوروبي لتنسيق الكوارث، بسبب خلافات سياسية سابقة بين المسؤولين القبارصة والمفوضية الأوروبية. كما رفضت الحكومة القبرصية الاستعانة بمساعدات من الجزء الشمالي من الجزيرة الخاضع للسيطرة التركية، ما أثار انتقادات من منظمات إنسانية ودولية.
وأشار تقرير داخلي حديث أعدّه خبير الحرائق جافرييل زانثوبولوس إلى أن قبرص تفتقر إلى تنسيق فعال بين جهاز الإطفاء وإدارة الغابات، وأن خطط المواجهة لم تواكب تصاعد المخاطر المناخية.
وبينما يواصل جنوب أوروبا معركته الصعبة ضد النيران، بات من الواضح أن الكارثة المناخية تتفاقم بفعل الفشل السياسي والتخطيط الضعيف. وفي الوقت الذي تحترق فيه الغابات وتُزهق الأرواح، لا يزال المسؤولون في قبرص ودول أخرى يقدّمون وعودًا مؤجلة… بعد فوات الأوان.



