حزب الإصلاح البريطاني: لماذا يراهن فاراج على خطاب زيادة المواليد؟

في وقتٍ تتجنب فيه معظم الأحزاب البريطانية الخوض في قضايا الأسرة والإنجاب خشية الاتهام بـ”الوعظ الأخلاقي”، قرر حزب الإصلاح في المملكة المتحدة بزعامة نايجل فاراج أن يضع هذه القضية في قلب استراتيجيته السياسية. ويرى الحزب أن الترويج لسياسات زيادة المواليد البريطانيين لا يقتصر على كونه استجابة لمشكلة ديموغرافية، بل هو ورقة انتخابية رابحة يمكن أن توسّع قاعدته الشعبية.
أزمة المواليد في بريطانيا: فرصة سياسية
تعاني بريطانيا، شأنها شأن العديد من الدول الغربية، من تراجع معدلات الخصوبة إلى مستويات أقل من المطلوب للحفاظ على التوازن الديموغرافي. وبينما يعوّض النمو السكاني جزئيًا عبر صافي الهجرة، يعتقد فاراج أن هذه المعادلة تضعف هوية المجتمع البريطاني، وتؤجج الجدل حول الهجرة.
ولهذا أعلن الحزب أن مهمته “إعادة إنجاب الأطفال البريطانيين”، مؤكدًا أن الحل لا يكمن فقط في خفض الهجرة، بل في تشجيع الأسر البريطانية على الإنجاب من خلال سياسات ملموسة.
سياسات فاراج: إعفاءات وإعانات
في فبراير الماضي، قال فاراج خلال مؤتمر يميني عقد في لندن إنه يجب إحداث “تغيير جذري في المواقف تجاه الإنجاب”. ولم يكتفِ بالخطاب، بل طرح حزمة سياسات أبرزها:
إلغاء الحد الأقصى لإعانة الطفلين الذي فرضه المحافظون عام 2017، ويحد من دعم الدولة لأول طفلين فقط.
إعفاءات ضريبية للأزواج، تشمل إعفاء أحد الشريكين من دفع ضريبة على أول 25 ألف جنيه إسترليني من دخله.
يؤكد فاراج أن هذه الخطوات لا تهدف إلى التدخل في خيارات الناس بقدر ما تسعى إلى “تسهيل تكوين الأسر” في ظل أزمة تكاليف المعيشة.
استقطاب جيل الشباب
مفاجأة لافتة سجلها الحزب مؤخرًا: ارتفاع التأييد بين النساء من الفئة العمرية 18–26 عامًا، بحسب استطلاعات مؤسسة مور إن كومون.
تقول سافرون سيمز برايدون، مستشارة شابة في حزب الإصلاح، إن كثيرًا من النساء في عمرها “يردن تكوين أسر، لكنهن يواجهن عوائق اقتصادية ضخمة”، مشيرة إلى أنه في الماضي كان يكفي راتب واحد لإعالة الأسرة، أما اليوم فالأمر يتطلب دخلين بالكاد يغطّيان الاحتياجات الأساسية.
هذا الخطاب يلقى صدى لدى شريحة من الشباب الباحثين عن عودة إلى “الوضع الطبيعي” الذي يمنحهم حرية الاختيار في تكوين أسر دون أعباء اقتصادية خانقة.
مواجهة حزب العمال ونقاط الضعف
يرى محللون أن حزب الإصلاح يستغل ثغرات تركها حزب العمال الحاكم، الذي أبقى على سياسة الحد الأقصى لطفلين رغم اعتراضات نوابه. كما أثارت التخفيضات في إعانات الإعاقة والوقود الشتوي غضب قطاعات من الناخبين، فتحولت هذه السياسات إلى نقطة ضعف يستثمرها فاراج لتعزيز شعبيته.
يقول الباحث لويس أوجيران إن حزب الإصلاح يستهدف ناخبين انتقلوا مؤخرًا من حزب العمال، معتبرين أن الأخير “فشل في حماية الفئات الأضعف”. ومع ذلك، يحافظ الإصلاح على رسالته المناهضة لثقافة الاعتماد على الإعانات، إذ يربط إلغاء الحد الأقصى فقط بـ”الأسر العاملة”، لا بالعائلات التي تعيش على المساعدات بالكامل.
مخاطرة سياسية محسوبة
رغم المكاسب المحتملة، فإن التركيز على قضايا الإنجاب والأسرة ليس خاليًا من المخاطر. فبريطانيا مجتمع علماني إلى حد كبير، وإذا تبنّى الحزب مواقف أكثر تشددًا بشأن الإجهاض أو زواج المثليين مثلما فعلت تيارات يمينية أميركية، فقد ينفر حتى جزءًا من مؤيديه.
لكن قادة الإصلاح يصرون على أن الأمر ليس حربًا ثقافية مستوردة من أميركا، بل “قيم بريطانية أصيلة” تتمثل في دعم الأسرة والمجتمع والوطن. وتقول النائبة سارة بوتشين: “نحن لا نحاول فرض وصاية أخلاقية، بل نعيد التذكير بتقاليدنا التي تبدأ من العائلة.”
ويرى حزب الإصلاح أن خطاب تعزيز المواليد يمنحه موقعًا فريدًا في الساحة السياسية البريطانية:
يقدّم نفسه كبديل عملي لحزب العمال الذي فشل في معالجة الأزمات الاجتماعية.
يجذب شرائح شبابية ونسائية تبحث عن حلول ملموسة لتكاليف المعيشة.
يوازن بين رفض الهجرة الكبيرة وتشجيع الإنجاب الوطني لتعزيز الهوية البريطانية.
لكن هذه الاستراتيجية تبقى رهانًا محفوفًا بالمخاطر، إذ قد يُتهم الحزب بإحياء خطاب “الأسرة التقليدية” الذي يتصادم مع قيم الحداثة البريطانية. ومع ذلك، يبدو أن فاراج ورفاقه مقتنعون بأن الطريق إلى صناديق الاقتراع يمر عبر حضانة الأطفال بقدر ما يمر عبر الخطاب المعادي للهجرة.



