أغنى دول الاتحاد الأوروبي تعقد اجتماعاً سرياً في فيينا مع تصاعد محادثات الميزانية

بدأت يوم الخميس في العاصمة النمساوية فيينا اجتماعات سرية جمعت كبار المسؤولين من أغنى دول الاتحاد الأوروبي، في خطوة تهدف إلى تشكيل جبهة مشتركة قبل الدخول في معركة صعبة حول ميزانية الاتحاد المقبلة للأعوام السبعة المقبلة.
ويأتي الاجتماع وسط خلافات متصاعدة بين الدول “الدافعة الصافية” – التي تساهم بأموال أكثر مما تحصل عليه – والدول الجنوبية والشرقية التي تطالب بزيادة التمويل لدعم الزراعة والمناطق الفقيرة.
وكانت المفوضية الأوروبية قد كشفت في يوليو الماضي عن اقتراح لميزانية ضخمة تبلغ 1.816 تريليون يورو، تشمل إنفاقاً واسعاً على الأبحاث، والزراعة، والتنمية الإقليمية، ودعم التحول الأخضر والرقمي.
ومنذ ذلك الحين، بدأت العواصم الأوروبية بدراسة تفاصيل الخطة، وتحليل الخسائر أو المكاسب التي قد تنجم عنها.
ورغم أن المفاوضات الرسمية لم تبدأ بعد على مستوى الوزراء، إلا أن ما وصفه دبلوماسيون بـ”المباراة ما قبل النهائية” بدأ فعلياً خلف الكواليس، حيث تسعى كل مجموعة من الدول إلى صياغة استراتيجية تفاوضية موحدة.
معسكران متقابلان
انقسم الاتحاد الأوروبي إلى معسكرين رئيسيين:
الدافعون الصافون: من السويد إلى فرنسا وألمانيا وهولندا، وهي دول تساهم أكثر مما تحصل عليه، وتدفع باتجاه ميزانية أصغر وأكثر انضباطاً مالياً.
أصدقاء التماسك: تحالف يضم دول جنوب وشرق أوروبا مثل بولندا، إيطاليا، وإسبانيا، يدعو إلى ميزانية أكبر مع تركيز على “صناديق التماسك” التي تموّل المناطق الأقل نمواً.
وبحسب المقررة، فإن فرنسا وألمانيا تقودان المعسكر الأول، بينما تتصدر بولندا المعسكر الآخر بصفتها المستفيد الأكبر من أموال الميزانية الأوروبية.
أهداف اجتماع فيينا
الاجتماع الذي جمع كبار موظفي وزارات المالية – لا الوزراء – هدفه الأساسي هو توحيد الخطوط العريضة قبل القمة الرسمية في أكتوبر المقبل.
وقال دبلوماسي من دولة غنية يشارك في المحادثات: “في النهاية، ما تتفق عليه فرنسا وألمانيا هو ما نلتزم به نحن.”
إلى جانب وضع خطوط حمراء، يعمل المشاركون على تقسيم المهام العملية مثل اختبار الصيغ الخاصة بتوزيع الأموال، وإعداد مقترحات مضادة لمطالب دول الجنوب والشرق.
خلافات داخلية
رغم وحدة المعسكرات الكبرى، فإن خلافات داخلية تبرز داخل كل مجموعة.
فرنسا، على سبيل المثال، تتفق مع بولندا في ملف الدعم الزراعي، رغم انتمائها إلى المعسكر الدافع.
هولندا من جهتها ترفض بشدة فكرة إصدار ديون مشتركة على مستوى الاتحاد، وهي أداة تدعمها فرنسا.
ومع ذلك، يحاول كل معسكر حل هذه التباينات داخلياً لتقديم جبهة موحدة أمام المفوضية والبرلمان الأوروبي.
دور المفوضية الأوروبية
تحاول المفوضية، من جانبها، الحفاظ على تماسك اقتراحها الأصلي. وسيقود المفاوضات مفوض الميزانية الجديد بيوتر سيرافين، السفير البولندي السابق لدى الاتحاد الأوروبي.
ويقول مسؤولون إنه يملك “كل الأوراق على الطاولة”، إذ يعرف تماماً ديناميكيات المجلس الأوروبي.
لكن المفاوض المخضرم يانوش ليفاندوفسكي نصحه باستخدام أسلوب “فرّق تسد”، أي التفاوض مع كل دولة على حدة بدلاً من مواجهة تكتلات كبيرة، لتقليل قوتها التفاوضية الجماعية.
أبعاد تاريخية وسياسية
قال ستيفان إمهوف، الأمين العام لوزارة المالية النمساوية، إن النقاشات حول الميزانية لا تحددها الحسابات الاقتصادية وحدها بل التاريخ أيضاً، مشيراً إلى أن “الإطار المالي متعدد السنوات للاتحاد الأوروبي كان دائماً ثمرة مساومات سياسية معقدة أكثر منه حسابات تقنية.”
ويرى مراقبون أن هذه الجولة من المفاوضات ستكون أكثر صعوبة من سابقاتها، في ظل الأزمات المتراكمة: تداعيات حرب أوكرانيا، تكاليف الانتقال الأخضر، والتوترات بين شرق وغرب أوروبا حول سيادة القانون والهجرة.
على الجانب المقابل، عززت دول المتوسط دورها داخل “أصدقاء التماسك”، خصوصاً بعد تراجع دور المجر نتيجة خلافاتها مع بروكسل حول الديمقراطية وسيادة القانون. وقد ترأست مالطا مؤخراً اجتماعاً تقنياً للخبراء مهد الطريق للاجتماع الجماعي الحالي.
ويرى مفاوضون أوروبيون أن القرارات الجوهرية غالباً ما تُتخذ في مثل هذه الاجتماعات غير الرسمية. ففي العام الماضي، نجحت الدول الدافعة في هلسنكي في الاتفاق على تخصيص 175 مليار يورو لبرنامج الأبحاث “هورايزون”، وهو ما تبنته المفوضية لاحقاً.



