رئيسيشئون أوروبية

تزايد المخاوف في بروكسل من خضوع الاتحاد الأوروبي لضغوط ترامب بشأن قواعد التكنولوجيا

تتصاعد في أروقة الاتحاد الأوروبي المخاوف من أن تكون المفوضية الأوروبية بصدد تقديم تنازلات مؤلمة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مسعى لتفادي حزمة الرسوم الجمركية العقابية التي هدد بفرضها على جميع السلع الأوروبية اعتباراً من 9 يوليو/تموز المقبل.

فبعد شهور من تمسك بروكسل بموقف صارم حيال استقلالية تشريعاتها الرقمية، أبدت المفوضية الأوروبية لأول مرة “مرونة” تجاه تعديل بعض القوانين الرقمية الأساسية، وعلى رأسها قانون الأسواق الرقمية (DMA)، من أجل التوصل إلى اتفاق تجاري مع واشنطن، وهو ما اعتُبر تراجعًا مفاجئًا أثار قلقًا واسعًا داخل البرلمان الأوروبي.

تنازلات مثيرة للجدل

جاء التحول في موقف المفوضية بعد أن أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن محادثات سرية بين الطرفين أفضت إلى مسودة اتفاق تضمن “استثناءات” للشركات الأميركية من بعض القواعد الرقمية الصارمة في أوروبا، خاصة تلك التي تقيّد أنشطة عمالقة التكنولوجيا مثل Google وMeta وApple، إضافة إلى تخفيف بعض المتطلبات البيئية مثل “ضريبة الكربون على الحدود”.

الناقدة الأبرز للاتجاه الجديد، النائبة الفرنسية ستيفاني يون كورتين من حزب التجديد، وصفت الخطوة بأنها “استسلام غير مقبول للولايات المتحدة”، مضيفة أن تعليق قانون DMA سيشكل “سابقة خطيرة” تعني أن الدول الأجنبية قادرة على فرض إرادتها على التشريعات الأوروبية المكتملة.

هل تصبح السيادة الرقمية أداة تفاوض؟

في السنوات الأخيرة، تباهى الاتحاد الأوروبي بريادته في فرض ضوابط على شركات التكنولوجيا الكبرى، واضعًا نفسه في طليعة المدافعين عن الحقوق الرقمية والمنافسة العادلة. لكن تهديدات ترامب بإطلاق حرب تجارية ضخمة دفعت بعض المسؤولين في بروكسل إلى مراجعة حساباتهم.

ورغم أن رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين قالت إن “السيادة في صناعة القرار داخل الاتحاد الأوروبي غير قابلة للتفاوض”، إلا أنها اعترفت بأن المحادثات تشمل “جميع المواضيع المتعلقة بالرسوم والحواجز غير الجمركية”، في ما يبدو اعترافًا ضمنيًا باستعداد المفوضية لتقديم بعض التنازلات.

ضغوط داخلية وغضب في البرلمان

الخطوة فجّرت انتقادات حادة من أعضاء البرلمان الأوروبي، خصوصًا من الأحزاب الخضر واليسار والليبراليين. وقال النائب الألماني أندرياس شواب من يمين الوسط: “قانون DMA ليس أداة تجارية، وإذا أعطينا هذا الانطباع للولايات المتحدة، فإننا نرتكب خطأ استراتيجياً”.

أما النائبة آنا كافاتزيني من حزب الخضر الألماني، فوصفت التهديدات الجمركية الأميركية بأنها “ابتزاز اقتصادي”، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يرد بقوة بدلًا من “الاستسلام للمتنمرين”، وفق تعبيرها.

وفي السياق نفسه، أعربت يون كورتين عن استيائها من ما وصفته بـ”تلكؤ المفوضية” في تطبيق القوانين الرقمية، مشيرة إلى تأخر الغرامات ضد Apple وMeta، وتأجيل تحقيقات مهمة ضد منصة X، معتبرة أن هذا التراخي قد يكون مرتبطًا برغبة في تجنب إثارة واشنطن خلال المحادثات الجارية.

لا ضمانات

ورغم التأكيدات بأن أي اتفاق لم يُحسم بعد، إلا أن مراقبين أشاروا إلى أن المفوضية قد لا تحتاج قانونياً إلى موافقة البرلمان الأوروبي لتوقيع اتفاق بشأن الحواجز غير الجمركية، ما يزيد من احتمال تمرير التنازلات بهدوء، وإن كان ذلك سيأتي بكلفة سياسية باهظة.

ووسط هذا المشهد الضبابي، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يقف أمام معضلة صعبة: إما أن يتمسك باستقلالية قراراته الرقمية ويخاطر بحرب تجارية مع إدارة ترامب، أو يلين في موقفه ويجازف بتقويض واحدة من أكثر السياسات التي تفاخر بها بروكسل في العقد الأخير. ومع اقتراب الموعد النهائي، تتزايد الضغوط، ولا أحد في بروكسل يملك جوابًا واضحًا حتى اللحظة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى