أزمة ماندلسون تضع ستارمر أمام أخطر اختبار سياسي في مسيرته

دخل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر واحدة من أكثر اللحظات خطورة في حياته السياسية، مع تسارع وتيرة الدراما داخل حزب العمال على خلفية أزمة تعيين بيتر ماندلسون سفيرًا للمملكة المتحدة في واشنطن، رغم صلاته السابقة بالمدان في قضايا الاتجار الجنسي جيفري إبستين.
فبعد تعهّد ستارمر، يوم الأربعاء، بنشر مراسلات ورسائل نصية بين ماندلسون ودائرته القيادية «وفق شروطه الخاصة»، اضطر بعد ساعات إلى التراجع وقبول إخضاع عملية النشر لرقابة مستقلة، إثر تمرد داخلي من نواب حزب العمال الذين خشوا أن يُنظر إلى الخطوة على أنها محاولة تستّر سياسي.
ورغم أن هذا التراجع التقني قد لا يترك أثرًا طويل الأمد في السجلات التاريخية، إلا أن طريقة تعاطي الحكومة مع الأزمة فجّرت حالة غضب وقلق داخل الحزب الحاكم، وفتحت جبهة هجوم مباشرة على ستارمر ورئيس أركانه مورغان ماكسويني، الذي يُعد مهندسًا رئيسيًا لعودة العمال إلى السلطة.
ونقل موقع POLITICO عن نحو 20 نائبًا ومسؤولًا حاليًا وسابقًا في حزب العمال أن الأزمة عمّقت الشعور بأن القيادة فشلت في تقدير المخاطر منذ البداية.
وقال نائب معتدل انتُخب عام 2024: «نحن بحاجة إلى رأس»، فيما أضاف نائب آخر، عادة ما يُعد مواليًا للقيادة: «يجب أن يدفع أحدهم ثمن هذا الفشل، ولا يهم من يكون».
وبالنسبة لكثيرين داخل الحزب، فإن قضية ماندلسون باتت رمزًا لانتقادات أوسع لأسلوب ستارمر في الحكم، لا سيما ما يصفونه بالتقليل من شأن الأزمات المحتملة حتى تتحول إلى فضائح كاملة، كما حدث سابقًا في ملفات ضريبية وسياسية اضطر فيها رئيس الوزراء إلى التراجع.
وعلى الرغم من تصاعد الانتقادات، دافع ستارمر بقوة عن رئيس أركانه، مؤكدًا أمام النواب أن «مورغان ماكسويني جزء أساسي من فريقي» وأنه «لديه ثقته الكاملة». لكن هذا الدفاع لم يُقنع الجميع.
وقال مسؤول حزبي مقرّب من القيادة: «أنا معجب بمورغان، لكن على كير أن يقيله… السؤال الحقيقي هو: من سيخلفه؟».
في المقابل، حاول بعض النواب التقليل من خطورة الأزمة، معتبرين أنها لا تزال «شأنًا داخليًا في وستمنستر» أكثر منها ضربة قاصمة في الرأي العام. إلا أن أجواء التشاؤم كانت سائدة في أوساط واسعة من الحزب مساء الأربعاء.
وتفاقمت الأزمة يوم الاثنين، عندما كشفت رسائل بريد إلكتروني نُشرت ضمن ملفات إبستين عن قيام ماندلسون بتسريب مناقشات مالية حكومية حساسة في أعقاب الأزمة المصرفية عام 2008.
ودفعت هذه التسريبات الشرطة البريطانية إلى فتح تحقيق في شبهات سوء السلوك في الوظيفة العامة.
وكان ماندلسون قد أقرّ سابقًا بأنه أخطأ في مواصلة علاقته بإبستين، وقدم اعتذارًا «لا لبس فيه» لضحاياه، لكنه لم يعلّق فورًا على التحقيق الجديد. ويؤكد ستارمر أنه لم يكن على علم بهذه الرسائل، وأنه لو علم بها «لما عيّن ماندلسون أساسًا».
ورغم أن ستارمر أقال ماندلسون من منصبه في سبتمبر الماضي، فإنه صعّد لهجته هذا الأسبوع، متهمًا إياه بأنه «كذب مرارًا» خلال فترة تعيينه، ومشيرًا إلى أن عبء الماضي كان معروفًا، بما في ذلك صداقته مع إبستين.
وتخشى أوساط في حزب العمال من أن نشر تفاصيل عملية التدقيق سيُظهر القيادة وكأنها تجاهلت تحذيرات واضحة.
ووفق مسؤولين حكوميين، خضع ماندلسون لثلاث مراحل تدقيق على الأقل، شملت مراجعة من مكتب مجلس الوزراء، وفحصًا أمنيًا معمقًا، ثم رسالة رسمية تضمنت أسئلة مباشرة حول علاقته بإبستين وارتباطه المحتمل بمؤسسة أسستها غيسلين ماكسويل.
وقال مسؤول في مكتب رئيس الوزراء إن ماندلسون «كذب على ستارمر وأخفى معلومات أساسية»، مقدّمًا إبستين على أنه «شخص بالكاد يعرفه».
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تمثل أخطر اختبار لقيادة ستارمر منذ وصوله إلى داونينغ ستريت، ليس فقط بسبب تداعيات فضيحة ماندلسون، بل لأنها كشفت هشاشة الثقة داخل حزبه.
وبينما ينتظر النواب صدور الوثائق بقلق، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستنتهي الأزمة بتضحية سياسية محدودة، أم أنها ستترك ندبة عميقة في سلطة رئيس وزراء لم يستعد عافيته بعد؟



