رئيس الوزراء الفرنسي يلجأ إلى يوتيوب لتسويق “تخفيضات موجعة” في الميزانية

في محاولة غير مألوفة لكسب تأييد الفرنسيين وسط موجة غضب متصاعدة، أطلق رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو سلسلة من مقاطع الفيديو عبر يوتيوب تحت عنوان “FB Direct”، يسعى من خلالها لشرح الأسباب وراء التخفيضات القاسية في الإنفاق العام المقررة لعام 2026، والتي تبلغ قيمتها 43.8 مليار يورو.
وفي أول فيديو نُشر الثلاثاء، ظهر بايرو بكلمات مباشرة وواضحة، قال فيها:
“هذه ليست أيام عطلة، هذه لحظة حاسمة. كل شيء على المحك، والقرارات التي نتخذها الآن ستحدد شكل فرنسا لسنوات مقبلة.”
تقشف صارم وقرارات مثيرة للجدل
تأتي هذه المبادرة الرقمية في أعقاب مؤتمر صحفي عقده بايرو الشهر الماضي، استمر لساعتين، وُصف بأنه “لحظة الحقيقة”، أعلن فيه عن أكبر خفض للإنفاق العام منذ عقود، في محاولة لاحتواء العجز المتفاقم في ميزانية الدولة، والذي بلغ 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي.
من بين أبرز الإجراءات المقترحة:
إلغاء عطلتين رسميتين من أصل 11 عطلة عامة.
تجميد الزيادات السنوية في المعاشات والرعاية الاجتماعية، رغم التضخم المرتفع.
تقليص عدد الموظفين الحكوميين عبر وقف التوظيف في عدد من القطاعات العامة.
وتسعى الحكومة من خلال هذه الإجراءات إلى خفض العجز إلى 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2026، في خطوة يقول بايرو إنها ضرورية “لضمان الاستقرار الاقتصادي والسيادي لفرنسا”.
سخط شعبي ورفض سياسي واسع
رغم الحملة التوضيحية على يوتيوب، لا يبدو أن الشارع الفرنسي متجاوب مع الرسالة التي يحملها بايرو. فبحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة إيلاب في 31 يوليو، لا يثق سوى 12% من الفرنسيين برئيس الوزراء، وهو أدنى مستوى شعبيته منذ توليه المنصب.
وفي البرلمان، واجهت خطط بايرو انتقادات لاذعة من كل من اليمين المتطرف بقيادة حزب التجمع الوطني، واليسار المعارض بزعامة تحالف فرنسا المتمردة. وهددت قوى المعارضة بإسقاط الحكومة خلال تصويت الخريف المقبل على مشروع الميزانية.
أما النقابات العمالية، فقد وصفت المقترحات بأنها “إعلان حرب على الطبقة العاملة”، مهددة بموجة جديدة من الاحتجاجات والإضرابات في الخريف.
أزمة ثقة.. ورسالة يائسة
يرى مراقبون أن لجوء بايرو إلى منصة يوتيوب، في وقت يبتعد فيه الساسة الفرنسيون عن الظهور العلني خلال العطلة الصيفية، يعكس عمق الأزمة السياسية والاقتصادية التي تمر بها الحكومة الفرنسية، وسعي رئيس الوزراء إلى التحدث “مباشرة إلى الناس” في محاولة لتجاوز الوسائط التقليدية وفلترة الخطاب السياسي.
في أحد المقاطع، شبّه بايرو الوضع الحالي برب أسرة غارق في الديون لا يستطيع دفع نفقات معيشته دون اقتراض شهري، محذرًا من أن تجاهل الأزمة المالية سيقود إلى “أزمة سيادة وطنية”، داعيًا الفرنسيين إلى تحمّل مسؤولياتهم معه “عن وعي واختيار”.
الإنترنت كملاذ أخير
بث بايرو رسائله على يوتيوب تزامنًا مع فترة الإجازات الصيفية، حيث يقضي ملايين الفرنسيين عطلتهم بعيدًا عن السياسة. ويأمل رئيس الوزراء أن يجد لنفسه مكانًا وسط فيديوهات الطهي والسفر والموسيقى، لعله يستطيع تغيير آراء ناخبيه عبر الشاشات الصغيرة.
وقال بايرو في ختام أول فيديو له:
“الهدف من هذا التواصل المباشر هو أن تُكوّنوا رأيكم بأنفسكم. أنا لا أفرض، بل أشرح. لا طريق أمامنا سوى هذا الجهد، وأتمنى أن تسيروا فيه معي.”
هل تنجح الحملة؟
من غير الواضح ما إذا كانت استراتيجية بايرو الرقمية ستنجح في إقناع الفرنسيين، خاصة أن الإجراءات التي يقترحها تمس بشكل مباشر حياة ملايين المواطنين، من الموظفين والمتقاعدين وحتى العائلات محدودة الدخل.
لكن المؤكد أن الرهان بات شخصيًا بالنسبة لرئيس الوزراء، الذي قرر ألا يقضي الصيف في الراحة، بل في محاولة يائسة لإنقاذ صورته السياسية قبل أشهر حاسمة من تصويت البرلمان، واحتمال تفكك ائتلافه الحكومي.
في بلد اعتاد على الاحتجاج أكثر من الامتثال، قد يكون يوتيوب مجرد ساحة جديدة، لكنها ليست بالضرورة أكثر هدوءًا من شوارع باريس.



