فرنسا: رئيس الوزراء بايرو يواجه “لحظة الحقيقة” مع اقتراب معركة الميزانية التي قد تُسقط حكومته

يترقب المشهد السياسي الفرنسي لحظة حاسمة يوم الثلاثاء المقبل، إذ يستعد رئيس الوزراء فرانسوا بايرو للكشف عن الخطوط العريضة لمشروع ميزانية 2026، في خطوة قد تحدد مصير حكومته الأقلية، مع تصاعد الغضب الشعبي والسياسي إزاء خططه التقشفية الرامية إلى توفير 40 مليار يورو لإنقاذ مالية البلاد المتعثرة.
ويحاول بايرو، الذي تولى رئاسة الحكومة بعد إقالة سلفه ميشيل بارنييه العام الماضي، مواجهة الدين العام الفرنسي الذي بلغ مستوى قياسيًا يقدر بـ 3.3 تريليون يورو، مع عجز ميزاني يخرق قواعد الاتحاد الأوروبي للسنة الثالثة على التوالي.
وقال بايرو في مقابلة تلفزيونية أخيرة: “لن نسمح بتراكم العجز. هذه لحظة الحقيقة. إما أن نتحرك أو نواصل الانزلاق نحو الهاوية.” وأضاف: “لأول مرة منذ فترة طويلة ستحدد الحكومة بوضوح القيود والقرارات الضرورية للخروج من هذا الفخ القاتل.”
تدابير قاسية قد تُسقط الحكومة
مصادر حكومية تشير إلى أن خطة بايرو تتضمن تقليص الإنفاق العام وخفض نطاق بعض الإعفاءات الضريبية، إضافة إلى تجميد زيادات المزايا الاجتماعية التي اعتاد الفرنسيون على تعديلها وفق التضخم. غير أن هذه الإجراءات تهدد بإشعال أزمة سياسية عاصفة، خصوصًا بعدما انهارت محادثات إصلاح نظام التقاعد التي استغلها بايرو سابقًا لاسترضاء الحزب الاشتراكي اليساري.
وبات الاشتراكيون اليوم أقرب إلى التصويت مع اقتراحات حجب الثقة إذا مضى بايرو في خطته، ما يعني أن رئيس الوزراء قد لا يتمكن هذه المرة من تمرير ميزانيته عبر الجمعية الوطنية دون اللجوء إلى المادة 49.3 من الدستور، التي تتيح له فرض مشروع القانون بالقوة، مع السماح للبرلمان بتقديم اقتراح حجب الثقة كرد فعل مضاد.
معارضة متعددة الأطياف
وقال وزير فرنسي طلب عدم ذكر اسمه: “محاولة تأمين 40 مليار يورو في بلد مثل فرنسا يشبه تسلق جبال الهيمالايا في الشتاء وأنت ترتدي شورتًا قصيرًا. لكنه ضروري.”
المعارضة من اليسار تتهم بايرو بالتوجه نحو سياسة تقشفية ستضر أكثر بالمواطنين، خصوصًا في ظل أجواء اقتصادية صعبة وحرب تجارية متصاعدة مع الولايات المتحدة. وقال إريك كوكويريل، رئيس اللجنة المالية في الجمعية الوطنية ونائب حركة “فرنسا المتمردة” اليسارية: “إنها بالتأكيد ليست الميزانية التي نحتاجها. فرنسا بحاجة إلى استثمارات، لا مزيد من التخفيضات.”
في المقابل، يلوّح حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف بأنه مستعد للإطاحة بالحكومة إذا ما طُرحت الميزانية بشكل رسمي في الخريف، رغم أنه امتنع في السابق عن تأييد جهود إسقاط بايرو.
الأسواق تراقب بعين القلق
اقتصاديًا، يبدو الوضع أكثر تعقيدًا. ففرنسا تدفع هذا العام نحو 67 مليار يورو كفوائد على دينها العام، أي أكثر مما تخصصه لميزانية الدفاع. كما قفز العائد على السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى أكثر من 3%، متجاوزًا مثيله في دول مثل إسبانيا والبرتغال، في إشارة إلى تزايد قلق الأسواق حيال قدرة باريس على ضبط ماليتها العامة.
بايرو وعد بخفض العجز من 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024 إلى 5.4% هذا العام، وصولًا إلى السقف الأوروبي البالغ 3% بحلول عام 2029. غير أن كثيرين يشككون في إمكانية تحقيق هذا الهدف دون تفاقم التوتر الاجتماعي والسياسي.
ماكرون في مأزق
المعركة حول ميزانية 2026 قد تتحول سريعًا إلى تصويت ثقة على حكومة بايرو، ما يضع الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه في مأزق سياسي، قبل نحو عامين من الانتخابات الرئاسية والتشريعية. ويخشى المراقبون أن أي فشل للحكومة في تمرير الميزانية قد يفتح الباب أمام حل البرلمان أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، في وقت تتنامى فيه شعبية اليمين المتطرف واليسار المتشدد.
بايرو، الذي عرف عنه في الماضي أنه رجل التوافقات الهادئة، يبدو هذه المرة أمام أكبر اختبار سياسي في حياته المهنية. ومع اقتراب لحظة الحقيقة يوم الثلاثاء، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة على مصراعيها.



