أزمة سياسية تهدد فون دير لاين بعد سحب قانون “التضليل البيئي”

تواجه رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أزمة سياسية غير مسبوقة بعد أن هددت كتل سياسية رئيسية في البرلمان الأوروبي بسحب دعمها، احتجاجًا على قرار المفوضية سحب تشريع مهم يهدف إلى مواجهة “التضليل البيئي”. وقد أشعل هذا القرار غضبًا عارمًا داخل البرلمان الأوروبي، خاصة بين الاشتراكيين والليبراليين، الذين اعتبروا الخطوة استجابة لضغوط اليمين المتطرف وتجاوزًا خطيرًا للعملية التشريعية في الاتحاد.
تحالفات مختلّة تضع فون دير لاين في مأزق
تنتمي فون دير لاين إلى حزب الشعب الأوروبي، أكبر كتلة يمينية وسطية في البرلمان الأوروبي، لكنها لطالما اعتمدت على دعم الليبراليين والاشتراكيين الديمقراطيين لضمان تمرير التشريعات وتحقيق الاستقرار في مؤسسات الاتحاد. غير أن تحالف حزبها الأخير مع مجموعات يمينية متطرفة – مثل تكتل “الوطنيين من أجل أوروبا” الذي يضم شخصيات بارزة كمارين لوبان وفيكتور أوربان – لإلغاء قانون مكافحة “الغسل الأخضر” (التضليل البيئي)، أدى إلى انهيار الثقة داخل التحالف الوسطي المؤيد لأوروبا.
وقالت فاليري هاير، رئيسة مجموعة “تجديد أوروبا” الليبرالية: “نحن على شفا أزمة مؤسسية خطيرة. سحب القانون يهدد الأغلبية المؤيدة لأوروبا”. بينما قال مسؤول في الحزب نفسه: “لقد حمينا فون دير لاين من فضيحة فايزر، لكن إن استمرت هذه الانحرافات، سنتوقف عن حمايتها”.
القانون الذي فجّر الخلاف
القانون المسحوب كان يهدف إلى محاسبة الشركات على الادعاءات البيئية الكاذبة، وكان قد اجتاز بالفعل عدة مراحل تشريعية، ويجري التفاوض عليه بين البرلمان الأوروبي والمجلس (الذي يمثل حكومات الدول الأعضاء). سحبه المفاجئ من المفوضية الأوروبية أثار تساؤلات حول مدى احترام المؤسسات الأوروبية لمسار صنع القرار الديمقراطي.
وصرّح متحدث باسم المفوضية بأن القانون بصيغته الحالية “يتعارض مع أجندة المفوضية الرامية إلى تبسيط الإجراءات”، مضيفًا أن المفوضية لا تزال ملتزمة بمحاربة التضليل البيئي، لكنها تبحث عن “نهج أكثر مرونة”.
لكن هذا التبرير لم يقنع الاشتراكيين، حيث قال إيراتكس غارسيا، رئيس كتلتهم في البرلمان: “ما حدث يُعد خرقًا للتحالف القائم، ويقوّض أسس الثقة. إذا مضت فون دير لاين قدمًا بهذا الاتجاه، فلن تبقى هناك منصة موحدة لدعمها”.
خطر الشلل التشريعي في الاتحاد الأوروبي
تحذيرات الاشتراكيين والليبراليين لا تقف عند حدود النقد، بل تهدد عمليًا بشل عمل المؤسسات الأوروبية. فدون دعم هذه الكتل، سيفقد حزب الشعب الأوروبي الأغلبية البرلمانية، ما يعني شللًا في تمرير أي تشريعات جديدة أو حتى مراجعة القوانين القائمة.
وتقول مصادر برلمانية إن الأحزاب الغاضبة قد تعرقل مشروعات قوانين أخرى، وتوقف التعاون مع حزب فون دير لاين في ملفات حيوية، منها الذكاء الاصطناعي، وبراءات الاختراع، وتمويل المنظمات غير الحكومية.
أزمة ثقة ممتدة منذ “فضيحة فايزر”
الغضب من فون دير لاين لا يقتصر على قرارها الأخير. فملف تعاملها مع شركة فايزر خلال جائحة كورونا لا يزال يثير استياءً واسعًا، خاصة بعد أن قضت محكمة أوروبية مؤخرًا بأن المفوضية انتهكت القانون برفضها الكشف عن رسائل نصية تبادلتها فون دير لاين مع رئيس الشركة خلال مفاوضات لقاحات كوفيد-19.
قال مسؤول اشتراكي: “هذه القضية وغيرها تجعلنا نشعر أن المفوضية أصبحت تُدار خارج المؤسسات التقليدية، وتتجاهل قواعد الشفافية والمساءلة”.
ضغوط من اليمين المتطرف تثمر
في الجهة المقابلة، رحب اليمين المتطرف والمحافظون الأوروبيون بسحب القانون، واعتبروا أنه “ينقذ الشركات الأوروبية من كابوس بيروقراطي”. ويبدو أن تحالف حزب الشعب الأوروبي معهم بات أكثر تقاربًا، ما يثير مخاوف من انزلاق تدريجي نحو أجندات مناهضة للمناخ والتكامل الأوروبي.
إلى أين تتجه رئاسة فون دير لاين؟
مع تصاعد التوترات، باتت رئاسة فون دير لاين للمفوضية الأوروبية على المحك. وبينما تستعد أوروبا لمرحلة جديدة من التحديات السياسية والاقتصادية، يزداد الحديث عن إمكانية حجب الثقة عنها في حال استمرار تآكل دعم الأغلبية الوسطية.
وبينما لم تُقدم أي كتلة على طرح هذا الخيار رسميًا بعد، إلا أن الوضع الحالي ينذر بأن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حاسمًا لبقاء فون دير لاين على رأس هرم الاتحاد الأوروبي، في ظل أزمة ثقة غير مسبوقة داخل أروقة بروكسل.



