دعم ترامب يفاقم الانقسام داخل اليمين المتطرف الأوروبي

يعمّق الدعم العلني الذي يبديه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقوميين واليمينيين المتطرفين في أوروبا الانقسام داخل أكبر أحزاب هذا التيار، بين من يراه فرصة ذهبية لكسر العزلة، ومن يعتبره عبئًا سياسيًا يهدد الحسابات الانتخابية الداخلية.
ففي ألمانيا، يحتفل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) بما يسميه “اعترافًا أمريكيًا” بمشروعه السياسي، بينما يفضّل حزب التجمع الوطني الفرنسي بقيادة مارين لوبان النأي بنفسه عن ترامب، خشية انعكاسات سلبية على صورته لدى الناخب الفرنسي الأكثر اعتدالًا.
ويُنظر داخل حزب البديل إلى دعم ترامب بوصفه مكسبًا استراتيجيًا. فقد أشاد قادة الحزب بهجمات الإدارة الأمريكية على شخصيات أوروبية من التيار الوسطي، ورأوا فيها خطوة تعطيهم دفعة معنوية وتفتح الباب أمامهم لمخاطبة قاعدة انتخابية أوسع.
وقال بيتر بيسترون، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب، إن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة تمثل “اعترافًا مباشرًا بعمل حزب البديل”، بل وتتماهى مع مواقفه بشأن الهجرة والسيادة والهوية.
ومن المتوقع أن يزور بيسترون ونواب آخرون واشنطن خلال الأسبوع الجاري للقاء مسؤولين جمهوريين موالين لترامب، في محاولة واضحة لبناء شبكة علاقات تضفي شرعية خارجية على حزب يعاني من تصنيفه كتنظيم متطرف داخل ألمانيا.
وقد تلقّى الحزب إشارات دعم إضافية عندما وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قرار الاستخبارات الألمانية باعتبار حزب البديل حزبًا متطرفًا بأنه “استبداد مقنّع”، في موقف اعتبره مراقبون تدخلًا مباشرًا في السياسة الأوروبية الداخلية.
على الجانب الآخر، يتعامل حزب التجمع الوطني بحذر بالغ مع ترامب. فالشعبية الضعيفة للرئيس الأمريكي في فرنسا تمثل عاملًا ضاغطًا على قيادة الحزب التي تخطط بعناية لحملة الانتخابات الرئاسية 2027.
وقال رئيس الحزب جوردان بارديلا في تصريحات صحفية إنه لا يرى لترامب “أي دور” في توجيه السياسة الفرنسية، مشددًا على استقلالية قرارات حزبه.
أما النائب تيري مارياني فذهب أبعد من ذلك، منتقدًا “النبرة الاستعمارية” لخطاب ترامب تجاه أوروبا، ومحذرًا من الارتباط بشخص لا يخشى فقدان الدعم السياسي لكونه غير قابل لإعادة الانتخاب.
كما تسعى مارين لوبان منذ سنوات إلى “تلميع” صورة حزبها وإبعاده عن كل ما قد يعزز الاتهامات ضده بالارتباط بقوى أجنبية، خصوصًا روسيا.
وتشير استطلاعات فرنسية إلى أن غالبية ناخبي التجمع الوطني لديهم نظرة سلبية تجاه ترامب، ما يجعل التحالف معه مخاطرة قد تضر بشعبية الحزب بدل تعزيزها.
ويرى مراقبون أن جذور هذا الانقسام لا تتعلق بالضرورة بالاختلافات الأيديولوجية بقدر ما ترتبط بالسياقات السياسية لكل بلد.
فحزب البديل يسعى للخروج من العزلة عبر أي دعم خارجي قادر على إحراج خصومه في الوسط، بينما يعمل التجمع الوطني على توسيع قاعدته الانتخابية داخل إطار مؤسساتي فرنسي لا يرحب كثيرًا بالنهج الترامبي.
كما يؤكد محللون أن اليمين المتطرف الأوروبي ليس كتلة واحدة، وأن ما يصلح في السياق الألماني شديد الاستقطاب قد لا يصلح في فرنسا التي تخضع فيها الأحزاب لرقابة إعلامية ومجتمعية أكثر تشددًا.
ويكشف الدعم الأمريكي المُعلن لليمين القومي الأوروبي عن خطوط صدع عميقة داخل هذا المشهد السياسي. ففي حين يرى حزب البديل الألماني في ترامب حليفًا ومصدر شرعية، يعتبره التجمع الوطني الفرنسي خطرًا انتخابيًا ورمزًا للتهور السياسي.
وبين هذين الموقفين، يتضح أن “الترامبية” لا تزال ظاهرة أمريكية بامتياز يصعب استنساخها بالكامل في أوروبا، حتى داخل التيارات التي تتقاطع معها فكريًا.



