رئيسيشئون أوروبية

“الحرب الهجينة” تشتعل في وارسو: اتهام مباشر من توسك لروسيا بإحراق أكبر مركز تجاري في بولندا

في تصعيد خطير للاتهامات بين بولندا وروسيا، أعلن رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، أن الحريق الهائل الذي دمّر مركز ماريويلسكا التجاري في وارسو عام 2024 كان عملاً تخريبياً منظماً نفذه عناصر يعملون لصالح الاستخبارات الروسية. تصريحات توسك الأخيرة لم تترك مجالاً للشك، مؤكداً أن الهجوم جزء من استراتيجية روسية ممنهجة تستهدف زعزعة الاستقرار في دول أوروبا الشرقية باستخدام أدوات الحرب الهجينة.

تأتي هذه الاتهامات في وقت تعيش فيه أوروبا الشرقية توتراً أمنياً متزايداً، مع تكرار حوادث التجسس والتخريب المنسوبة إلى موسكو، ما يعزز المخاوف من أن الكرملين يخوض حرباً غير معلنة ضد دول الجوار عبر وكلاء محليين وعمليات سرية.

من الشكوك إلى الاتهام الصريح
ورغم أن توسك كان قد لمح سابقاً إلى مسؤولية روسيا عن الحريق، استناداً إلى أدلة جمعها المحققون في ليتوانيا، إلا أن بيانه الأخير تجاوز صيغة الشكوك المعتادة ليحمّل موسكو مسؤولية مباشرة. وقال توسك بلهجة قاطعة: “نعلم يقينًا أن الحريق الكبير الذي اندلع في مركز ماريويلسكا كان نتيجة إحراق متعمد بأمر من أجهزة المخابرات الروسية”.

التأكيد الصريح من أعلى سلطة تنفيذية في بولندا يعكس قناعة راسخة لدى وارسو بأن روسيا تخوض حرباً غير تقليدية ضدها، مستخدمة تكتيكات تشمل الهجمات السيبرانية، حملات التضليل، والآن… الحرائق المتعمدة.

الحريق كأداة في الحرب الهجينة
ما تشهده بولندا ليس حالة معزولة. فاستهداف المنشآت الاقتصادية والعامة عبر عمليات تخريب سرية يُعدّ أحد الأسلحة التي تعتمدها موسكو في إطار ما يُعرف بالحرب الهجينة. هذه الاستراتيجية، التي تجمع بين العمليات العسكرية التقليدية والوسائل غير النظامية، تهدف إلى إضعاف الخصوم دون خوض مواجهة عسكرية مباشرة.

توسك أشار إلى أن بعض المتورطين في الحريق تم اعتقالهم بالفعل، بينما تم التعرف على آخرين يجري ملاحقتهم. وتعهد قائلاً: “سنقبض عليكم جميعًا!”، في رسالة موجهة ليس فقط إلى المتورطين، بل أيضاً إلى موسكو نفسها.

تحقيقات مشتركة وتنسيق أوروبي
التحقيقات في حادثة الحريق بوارسو استندت إلى تعاون وثيق بين بولندا وليتوانيا، حيث خلصت تحقيقات فيلنيوس إلى أن حريقاً مشابهاً وقع في متجر “إيكيا” في العاصمة الليتوانية في مايو 2024 كان بدوره عملية تخريبية نفذها مواطنون أوكرانيون مجندون من قبل الاستخبارات الروسية. وربطت التقارير الاستخباراتية بين الحادثتين، مشيرة إلى نمط متكرر في الأسلوب والأهداف.

ويأتي هذا التنسيق الأمني في إطار جهود أوسع يبذلها الاتحاد الأوروبي لمواجهة الأنشطة الروسية التخريبية، لا سيما في دول البلطيق وبولندا، التي تعتبر نفسها في خط المواجهة الأول مع “الحرب الرمادية” الروسية.

روسيا في قفص الاتهام
اتهامات بولندا لروسيا بإشعال الحرائق تضاف إلى سجل طويل من الأنشطة العدائية المنسوبة لموسكو، والتي تشمل محاولات زعزعة الاستقرار السياسي، والهجمات السيبرانية، وعمليات تجسس تستهدف منشآت حساسة. لكن الجديد في القضية هو انتقال روسيا، وفقاً للاتهامات البولندية، إلى استهداف منشآت مدنية واقتصادية حيوية بأساليب تخريبية كلاسيكية، كالحرق العمد.

وبرغم غياب رد رسمي من الكرملين على اتهامات توسك الأخيرة، إلا أن موسكو دأبت في السابق على نفي أي تورط في عمليات من هذا النوع، متهمة الغرب بشن “حملات دعائية” ضدها.

أبعاد سياسية وأمنية
الأبعاد السياسية لهذا الاتهام تتجاوز حادثة الحريق بحد ذاتها. فبالنسبة لتوسك، تمثل القضية ورقة ضغط داخلية لتعزيز صورته كرجل دولة حازم في مواجهة “التهديد الروسي”، خاصة في سياق بيئة سياسية مشحونة قبيل انتخابات البرلمان الأوروبي. كما أنها تأتي كرسالة موجهة إلى الحلفاء الأوروبيين، تحثهم على عدم التراخي في التعامل مع سياسات الكرملين التوسعية.

في المقابل، تعكس هذه الاتهامات شعوراً متزايداً لدى وارسو بأن روسيا لم تعد تكتفي بالحرب بالوكالة في أوكرانيا، بل توسّع من دائرة استهدافاتها إلى العمق الأوروبي بأساليب متنوعة، تتراوح بين التخريب الاقتصادي وخلق الفوضى الداخلية.

السيناريوهات المقبلة: نحو مواجهة أشد
المتابعون يتوقعون أن تدفع هذه الحادثة الاتحاد الأوروبي إلى تشديد سياساته الأمنية، وتكثيف التعاون الاستخباراتي بين أعضائه لمواجهة ما يعتبره كثيرون “خطرًا وجوديًا” من الشرق. في الوقت ذاته، قد تدفع الضغوط البولندية باتجاه فرض عقوبات إضافية على روسيا، رغم الشكوك حول فاعلية مثل هذه الإجراءات في ردع الكرملين.

لكن الأهم أن قضية إحراق مركز ماريويلسكا تعيد تذكير الأوروبيين بأن ساحة الصراع مع روسيا لم تعد تقتصر على الجبهات التقليدية في أوكرانيا، بل باتت تشمل العواصم الأوروبية نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى