رئيسيشؤون دولية

حرب ترامب التجارية تدفع الاتحاد الأوروبي لتعميق روابطه مع تحالف المحيط الهادئ

في ظل التصعيد المستمر لحربه التجارية ضد الحلفاء والخصوم على حد سواء، دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتحاد الأوروبي نحو خيار استراتيجي غير تقليدي: تعزيز التعاون مع تحالف الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، وهو تكتل اقتصادي يضم 12 دولة من أبرزها اليابان، أستراليا، كندا، والمملكة المتحدة.

بدأت هذه الديناميكية الجديدة تتبلور بعد أن فرضت واشنطن رسوماً جمركية عقابية مطلع أبريل، فيما سمّته إدارة ترامب “يوم التحرير” من قواعد التجارة العالمية التقليدية. وبينما تتعرض بنية العولمة لضغوط متزايدة، بدأ في بروكسل حراك سياسي للنظر في خيارات بديلة تضمن للاقتصاد الأوروبي تنويع شراكاته وتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية.

انسحاب ترامب من مفاوضات الشراكة عبر المحيط الهادئ في 2017 كان بمثابة إعلان قطيعة مع نهج أوباما في بناء تحالفات اقتصادية لموازنة صعود الصين. غير أن تصعيد سياسات الحماية التجارية من قبل واشنطن أفضى إلى نتائج عكسية، حيث دفعت الشركاء التقليديين للولايات المتحدة إلى البحث عن بدائل، من بينها تعزيز الروابط فيما بينهم ومع أطراف أخرى.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أبدت اهتماماً متزايداً بالانفتاح على تكتل CPTPP، معتبرة أنه يوفر أرضية مناسبة لتعزيز التجارة القائمة على القواعد في وقت تتعرض فيه منظمة التجارة العالمية لتحديات غير مسبوقة. ورغم أن الخطوات العملية لا تزال في مراحلها الأولى، إلا أن المناقشات السياسية بين الاتحاد الأوروبي ودول الشراكة عبر المحيط الهادئ تزداد زخماً.

في هذا السياق، أجرى ماروش شيفتشوفيتش، كبير مفاوضي التجارة في الاتحاد الأوروبي، مباحثات مكثفة خلال زيارته إلى سنغافورة، ركزت على ما وُصف بـ”تعزيز التعاون” مع دول CPTPP. المبادرة جاءت بعد مكالمة هاتفية بين فون دير لاين ورئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ، جرى خلالها بحث سبل توثيق العلاقات التجارية بين الطرفين.

الدول الأعضاء في CPTPP من جهتها أبدت استعداداً لتوسيع أطر التعاون مع بروكسل. رئيس وزراء نيوزيلندا كريستوفر لوكسون دعا إلى تحرك جماعي بين الكتلتين لمواجهة تداعيات الحرب التجارية الأمريكية، مشدداً على أهمية “العمل الجماعي لحماية سلاسل التوريد ودعم التجارة الحرة”.

بريطانيا، أحدث الأعضاء المنضمين إلى CPTPP في ديسمبر الماضي، لعبت دوراً محورياً في دعم مسار التعاون مع الاتحاد الأوروبي. وخلال لقاء في لندن جمع رئيسة وزراء نيوزيلندا مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، تم التأكيد على أهمية الاستفادة من عضوية لندن في التكتل لبناء شراكات أوثق مع أوروبا.

وزير التجارة البريطاني جوناثان رينولدز أكد بدوره أن بلاده ترحب بمبادرات التعاون مع بروكسل، معتبراً أن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي تتماشى مع تطلعات المملكة المتحدة لتعزيز تحالفاتها الاقتصادية عالمياً.

رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك عقبات تعرقل تحويل هذه النوايا السياسية إلى خطوات ملموسة. دبلوماسيون أوروبيون ومسؤولون في CPTPP أشاروا إلى أن التعاون بين الكتلتين لا يزال في مرحلة “استكشاف الخيارات”، حيث يُتوقع أن تقتصر الخطوات الأولى على خفض الحواجز الفنية أمام التجارة وتبادل الخبرات التنظيمية.

على الجانب الآخر، تدرك دول مثل اليابان وأستراليا المخاطر السياسية المترتبة على استفزاز واشنطن. كبير المفاوضين التجاريين البريطانيين السابق كروفورد فالكونر حذّر من أن ترامب قد ينظر إلى أي تقارب أوروبي مع CPTPP كخطوة عدائية موجهة ضد الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، أشار فالكونر إلى أن “البيت يحترق” في إشارة إلى اضطرابات التجارة العالمية بفعل سياسات ترامب، معتبراً أن الأولوية يجب أن تكون لإدارة الأزمة الراهنة قبل الانخراط في هندسة شراكات اقتصادية جديدة.

لكن محللين اقتصاديين يرون أن التعاون بين الاتحاد الأوروبي وCPTPP قد يكون خطوة استراتيجية لتعزيز النفوذ في آسيا. أليشيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك ناتيكسيس، اعتبرت أن الشراكة مع دول المحيطين الهندي والهادئ تمثل “أسرع وأكفأ” طريق للاتحاد الأوروبي لتعزيز حضوره في المنطقة دون الحاجة إلى التفاوض على صفقات ثنائية طويلة ومعقدة.

ومع تزايد الضغوط على النظام التجاري العالمي، يرى مراقبون أن الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وCPTPP قد تتحول إلى منصة مؤثرة في إعادة صياغة قواعد التجارة، لاسيما في مجالات الخدمات والاقتصاد الرقمي، ما يمنح الطرفين مرونة أكبر في مواجهة سياسات الحماية الأمريكية.

لكن حتى مع هذا الطموح، تبقى العقبات السياسية والبيروقراطية قائمة، وهو ما يعني أن مسار بناء تحالف اقتصادي أوروبي-هادئ سيظل بطيئاً وحذراً، وإن كان حتمياً في ظل المتغيرات الدولية الراهنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى