رئيسيشئون أوروبية

هل يمكن للدفاع أن يصبح آلة النمو الاقتصادي في أوروبا؟

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاطر الأمنية، تتجه أوروبا نحو تعزيز قطاع الدفاع لديها بشكل كبير، وهو تحوّل قد يحمل في طياته فرصة لإحياء النمو الاقتصادي المتباطئ في القارة.

فالتاريخ يثبت أن الكثير من الابتكارات التكنولوجية التي نشهدها في حياتنا اليومية كانت نتاجًا لأبحاث عسكرية، من أجهزة الميكروويف إلى نظام تحديد المواقع العالمي والطائرات بدون طيار.

ما يُعرف بـ”الاندماج العسكري المدني” هو نموذج يسمح بنقل التقنيات من المجال العسكري إلى المدني، وقد يشكل الآن نقطة انطلاق لنهضة اقتصادية في أوروبا.

على مدار سنوات، عانت أوروبا من نقص في الاستثمار الدفاعي مقارنة بالولايات المتحدة، مما أضعف قدراتها العسكرية وأثر على قدرتها التكنولوجية. لكن الوضع بدأ يتغير مع الإعلان عن خطط ضخمة للإنفاق العسكري.

المفوضية الأوروبية فتحت الباب أمام ميزانية دفاعية بقيمة 800 مليار يورو، وأعلنت ألمانيا عن نية ضخ تريليون يورو لتحديث جيشها وبنيتها التحتية العسكرية. هذه الخطوات تعكس جدية أوروبا في تعزيز أمنها القومي، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول آثار هذا الإنفاق على الاقتصاد الأوسع.

أحد أبرز الأمثلة على الابتكار في القطاع الدفاعي الأوروبي هو شركة “كوماند إيه آي” الفرنسية، التي أسسها لويك موغول بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

وتعتمد الشركة على الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة العمليات العسكرية بشكل كبير، مثل تسريع زمن الاستجابة وتحليل التضاريس، مما يمكن ضابطًا واحدًا من إنجاز مهام كان يتطلب إنجازها أربعة أفراد سابقًا.

وهذه التقنية، رغم تركيزها الحالي على الدفاع، تحمل إمكانات تطبيقية في القطاع المدني، مثل تحسين أنظمة التوصيل بالروبوتات والتصدي للهجمات الإلكترونية.

لكن هذه الطموحات ليست خالية من المخاطر، فالتاريخ لا يمنح ضمانات بتحويل الإنفاق العسكري إلى قفزات إنتاجية واضحة في الاقتصاد المدني. يقول خبراء مثل كريس ميلر من جامعة تافتس إن الاستثمار الدفاعي كان محفزًا رئيسيًا للابتكار في الولايات المتحدة، لكنه يحتاج إلى استراتيجيات واضحة ودعم طويل الأمد.

الأبحاث تشير إلى أن كل زيادة بنسبة واحد في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على البحث العسكري يمكن أن ترفع إنتاجية أوروبا بنسبة تصل إلى ربع بالمئة على المدى الطويل، ما يعني أن الاستثمار الذكي في هذا المجال قد يولد فوائد اقتصادية ملموسة.

ومع ذلك، فإن رفع الإنفاق العسكري لا يخلو من الجدل. ففي حين تبرز فوائد تعزيز الصناعة الدفاعية والوظائف المرتبطة بها، هناك مخاوف من أن زيادة الميزانيات العسكرية قد تأتي على حساب الخدمات الاجتماعية وبرامج الرفاهية.

فقد شهدنا مؤخرًا في المملكة المتحدة تخفيضات كبيرة في الرعاية الاجتماعية بينما زاد الإنفاق الدفاعي بشكل ملحوظ، ما قد يزيد من الاستياء الشعبي ويغذي تيارات سياسية معارضة.

من الناحية الاقتصادية، يمكن للإنفاق الدفاعي أن ينعش الاقتصاد المحلي على المدى القصير عبر زيادة الطلب على منتجات شركات المقاولات العسكرية وارتفاع الأجور.

مع ذلك، يبقى السؤال الأكبر حول مدى مساهمة هذا الإنفاق في رفع الإنتاجية الحقيقية والابتكار المستدام. فالأجهزة العسكرية نفسها، مثل الأسلحة والقنابل، تساهم في الناتج المحلي الإجمالي لكنها لا تعزز بشكل مباشر الكفاءة الاقتصادية أو مستوى حياة المواطنين.

تكمن إحدى التحديات الكبرى في كيفية إدارة هذا الإنفاق بشكل يضمن استدامته ويعظم فائدته. حتى الآن، تعتمد أوروبا بشكل كبير على مشتريات من الولايات المتحدة، إذ يتجه أكثر من نصف إنفاقها العسكري نحو شركات أمريكية.

لكن هناك دعوات متزايدة لتطوير بدائل أوروبية تتيح بناء صناعة دفاع محلية قوية.

على سبيل المثال، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى استبدال الصواريخ والطائرات الأمريكية بأنظمة أوروبية، وهو توجه تعززته ألمانيا ودول أخرى.

لكن دول الخطوط الأمامية مثل بولندا وفنلندا تركز على الاحتياجات الأمنية العاجلة، مما يجعلها تفضل الشراء من الولايات المتحدة أو دول أخرى تقدم تجهيزات جاهزة وسريعة. هذه الاختلافات تعكس التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه بناء صناعة دفاع أوروبية موحدة ومتطورة.

يبرز أيضًا الفرق في استراتيجيات البحث والتطوير بين أوروبا والولايات المتحدة، حيث تخصص الأخيرة نحو 16% من ميزانية الدفاع للبحوث، مقابل أقل من 5% في أوروبا. هذا الفارق يفسر جزئيًا التفوق التكنولوجي الأمريكي وقدرته على تحويل الاستثمارات الدفاعية إلى ابتكارات مدنية ناجحة.

لذلك، لا يكفي ضخ الأموال وحده، بل يجب خلق بيئة تشجع ظهور شركات جديدة مبتكرة، تدفع حدود التكنولوجيا إلى الأمام وتخلق فرصًا اقتصادية جديدة. على أوروبا أن تتعلم كيف تحفز الابتكار في قطاع الدفاع وتدعم دخول الشركات الصغيرة والمتوسطة، بدلًا من الاعتماد فقط على الشركات الكبرى التقليدية.

ويمكن للدفاع أن يصبح محركًا للنمو الاقتصادي في أوروبا إذا تم استثماره بذكاء وبعقلانية، مع موازنة الحاجة إلى الأمن الوطني مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. الأمر يتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد وتعاونًا سياسيًا واقتصاديًا متينًا عبر الدول الأوروبية لتحقيق هذه الغاية. إذا نجحت أوروبا في إدارة هذا التحول، فقد تتحول ضرورة الدفاع من عبء إلى فرصة حقيقية لتجديد اقتصادها وتعزيز مكانتها العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى