تواجه خطة ألمانيا لدعم الشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة عبر تحديد سقف لأسعار الكهرباء، عقبات قانونية صعبة في ضوء قواعد الاتحاد الأوروبي التي تمنع الدعم الحكومي غير المبرر للصناعات.
غير أن الواقع السياسي والاقتصادي يشير إلى أن بروكسل لن تفرض قواعدها بحزم على برلين، ما يفتح المجال أمام مفاوضات مرنة في ظل المخاوف من تأثير الخطة على توازن السوق الموحدة.
وتسعى الحكومة الألمانية إلى تخفيف العبء المالي على الصناعات التي تستهلك كميات هائلة من الكهرباء عبر تحديد سقف لسعر الكهرباء تُدفع بناءً عليه الفواتير، بينما تتحمل الدولة الفرق بين السعر السوقي والسقف المحدد. وتُقدر تكلفة هذه الخطة بحوالي 10 مليارات يورو حتى عام 2030، ما يجعلها بمثابة طوق نجاة للشركات المتعثرة وسط أزمة الطاقة العالمية.
التحدي القانوني: قواعد الاتحاد الأوروبي للدعم الحكومي
لكن هذه المبادرة تتعارض مع قواعد الاتحاد الأوروبي التي تهدف إلى منع الدول الأعضاء من منح مساعدات مالية مباشرة للصناعات، تجنباً لتشويه المنافسة وحماية الدول الأصغر التي لا تملك الموارد المالية لدعم شركاتها بنفس الطريقة. وأكد أوليفر بريتز، محامي متخصص في قوانين الاتحاد الأوروبي، أن بروكسل لن تسمح بهذه المساعدات من دون معركة قانونية.
وتصف المفوضية الأوروبية هذه المساعدات بـ”المساعدة التشغيلية”، التي تحظرها قواعد الاتحاد لأنها تتيح بقاء صناعات غير كفؤة عبر دعم مالي مباشر.
المرونة الأوروبية: مساحات تفاوضية أمام برلين
على الرغم من التحفظات القانونية، تشير مصادر عدة إلى أن المفوضية الأوروبية تميل حالياً إلى مرونة غير مسبوقة في تطبيق قواعد الدعم، خاصة بعد جائحة كورونا التي فرضت إجراءات استثنائية على اقتصادات الاتحاد.
وقال أولريش سولتيز، محامي مكافحة الاحتكار في ألمانيا، إن رفض المساعدات الحكومية بشكل صارم أصبح نادراً مقارنة بالماضي، خاصة مع التحديات الاقتصادية الراهنة وضرورة دعم الصناعات الاستراتيجية.
قلق الدول الأصغر وتأثير الخطة على السوق الموحدة
تثير هذه الخطة مخاوف في صفوف دول الاتحاد الأصغر حجماً والأقل قدرة مالية، إذ قد تؤدي إلى تشوهات في السوق الموحدة التي تُفترض أن تضمن بيئة تنافسية عادلة لجميع الدول الأعضاء. ويخشى دبلوماسيون من أن دعم ألمانيا الواسع قد يفتح الباب أمام دول أخرى لإطلاق خطط مماثلة، ما يعقد جهود التنسيق داخل الاتحاد.
وبالتزامن مع خطط ألمانيا، تعكف المفوضية الأوروبية على مراجعة قواعد الدعم الحكومي لتيسير دعم الصناعات الصديقة للبيئة والتكنولوجيات الناشئة، ضمن خطة لتعزيز التصنيع الأخضر في الاتحاد.
ومن المتوقع أن تقدم بروكسل قواعد جديدة بحلول يونيو 2025 تتيح مرونة أكبر في دعم مشاريع الطاقة المتجددة، ولكن مع الحفاظ على المبادئ الأساسية لمنع الدعم المباشر الذي يخل بالتنافس.
وعلى الرغم من المخاطر القانونية، يبدو أن برلين وبروكسل مستعدتان للدخول في مفاوضات لتسوية الأمر ودياً. وقد يقترح الاتحاد الأوروبي بدائل تسمح لألمانيا بتحقيق أهدافها ضمن إطار قانوني أكثر توافقاً مع قواعد السوق الموحدة.
وهكذا، قد تكون المواجهة القانونية المزعومة مجرد مناورة في سياق سياسة أوسع لضخ دعم حكومي ذكي يوازن بين الحاجة الاقتصادية والالتزام بالقواعد الأوروبية، في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية توترات متزايدة.

