الاتحاد الأوروبي على وشك الموافقة على تحويل أموال التعافي الاقتصادي البولندي نحو تعزيز الدفاع

تستعد المفوضية الأوروبية للموافقة على طلب تقدمت به بولندا لتحويل حوالي 6 مليارات يورو من أموال الاتحاد الأوروبي المخصصة لمرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19، من مشاريع بيئية إلى دعم قطاع الدفاع. هذه الخطوة تعكس تحولًا في أولويات دول الاتحاد في ظل تصاعد التوترات الأمنية في أوروبا، خاصة بعد الحرب الروسية في أوكرانيا، والتراجع الأمريكي عن الالتزام العسكري التقليدي تجاه القارة الأوروبية.
خلفية التمويل
هذه الأموال تأتي من صندوق التعافي الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، الذي أُطلق بقيمة 648 مليار يورو لدعم اقتصادات دول التكتل التي تأثرت بجائحة كوفيد-19 في عام 2020. يهدف الصندوق إلى تعزيز المشروعات الخضراء والبنية التحتية الصحية والاجتماعية والرقمية، في محاولة لتسريع تعافي الاقتصاد الأوروبي من تبعات الجائحة.
ومع اقتراب الموعد النهائي لاستفادة الدول من التمويل في 31 ديسمبر 2026، تحرص العديد من البلدان على تأمين حصتها الكاملة من الصندوق، ما دفع بولندا إلى إعادة النظر في استخدام أموالها المخصصة لما بعد كوفيد.
طلب بولندي لإعادة التوجيه
قال مسؤول حكومي بولندي لصحيفة “بوليتيكو” إن وارسو تقدمت بطلب إلى المفوضية الأوروبية لتحويل جزء من الأموال المخصصة لمشاريع بيئية محلية إلى مشاريع دفاعية مدنية وعسكرية. جاء هذا الطلب نتيجة لقلة الإقبال من قبل المدن والبلدات البولندية على تنفيذ مشاريع بيئية ضمن البرنامج.
تتمثل هذه المشاريع الدفاعية، حسب الخطة الجديدة، في بناء طرق صالحة لتحرك الدبابات الثقيلة، بالإضافة إلى إنشاء ملاجئ تحمي المدنيين والجنود في حالات الطوارئ، فضلاً عن تطوير تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويُسمح ضمن هذا الإطار باستخدام التمويل في مجالات ذات أبعاد مدنية وعسكرية، لكن قواعد الاتحاد الأوروبي تمنع صرف هذه الأموال مباشرة على شراء الأسلحة.
أهمية الخطوة في ظل التوترات الأمنية
تأتي هذه المبادرة البولندية في وقت تشدد فيه بروكسل على ضرورة زيادة إنفاق دول الاتحاد على الدفاع، وسط تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة، التي تفاقمت بسبب الحرب في أوكرانيا. كما تعكس خطوة وارسو قلقًا متزايدًا من انخفاض الدعم العسكري الأمريكي للقارة الأوروبية في ظل سياسة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التي ركزت على تقليل الالتزامات الخارجية للولايات المتحدة.
بولندا، التي تعد واحدة من أكثر دول الاتحاد الأوروبي قربًا من حدود روسيا، تعتبر تعزيز قدراتها الدفاعية أولوية قصوى. فهي حتى الآن الدولة الوحيدة التي تقدمت بطلب رسمي لإعادة توجيه أموال التعافي من كورونا لدعم القطاع الدفاعي، ولكن يُتوقع أن تحذو دول أخرى حذوها مع اقتراب نهاية فترة استخدام الصندوق.
طريقة إدارة التمويل
ذكرت الحكومة البولندية أنها ستتعامل مع الأموال الجديدة عبر هيئة خاصة تحت إشراف بنك التنمية البولندي المعروف بـ”جوسبودارستوا كراجويويغو”، وهو بنك حكومي يعنى بالتمويل التنموي. هذا التنظيم الجديد قد يسمح لبولندا بالاستمرار في إنفاق الأموال حتى بعد انتهاء فترة برنامج التعافي في 2026، مما يضمن استدامة التمويل في مشاريع الدفاع المستقبلية.
بولندا ورؤية الإنفاق العسكري
تعد بولندا من الدول التي تلتزم بشكل كبير بزيادة ميزانية الدفاع، حيث تخطط لرفع نسبة إنفاقها الدفاعي إلى 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025. ويجعلها هذا البلد الوحيد في الاتحاد الأوروبي الذي يقترب من تحقيق هدف حلف شمال الأطلسي (الناتو) الخاص بإنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، والذي رفعه ترامب إلى 5%.
هذه النسبة العالية من الإنفاق العسكري تعكس القلق الأمني العميق في بولندا، خصوصًا مع استمرار الصراع في أوكرانيا والقرب الجغرافي من روسيا. كما تؤكد رغبة وارسو في لعب دور أمني محوري داخل الاتحاد الأوروبي وفي حلف الناتو.
ردود الفعل والتحديات
حتى الآن، لم تصدر المفوضية الأوروبية ردًا رسميًا على طلب بولندا، لكن المسؤولين في الاتحاد الأوروبي يعبرون عن دعمهم لهذه الخطوة باعتبارها تتماشى مع أولويات التكتل في مواجهة التحديات الأمنية الراهنة.
ومع ذلك، تثير هذه الخطوة تساؤلات حول توازن الاستثمارات بين المشاريع الخضراء والتنمية الاقتصادية وبين الاستثمار في القدرات العسكرية، وهو موضوع حساس داخل الاتحاد الأوروبي حيث تعطي بعض الدول أولوية أكبر للبيئة والتنمية الاجتماعية، في حين ترى دول أخرى ضرورة التركيز على تعزيز الدفاع.
في الوقت نفسه، تواجه المفوضية تحديًا يتمثل في إدارة توقعات الدول الأعضاء المختلفة، وتوزيع الموارد بما يحقق أكبر فائدة للمجتمع الأوروبي ككل، مع الحفاظ على التماسك السياسي والاقتصادي.
مستقبل التمويل في ظل التحديات الأمنية
مع اقتراب نهاية فترة الاستفادة من صندوق التعافي في 2026، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديًا مزدوجًا: دعم تعافي اقتصادات دوله بعد الجائحة، وضمان الاستعداد الأمني والدفاعي في ظل بيئة جيوسياسية متقلبة.
في هذا السياق، تبدو بولندا نموذجًا للدول التي تميل إلى إعادة توجيه الدعم المالي نحو تعزيز أمنها القومي، في حين قد تتبع دول أخرى هذا النهج مع ازدياد المخاطر.
ستكون الأيام والأسابيع القادمة حاسمة لتحديد مدى قبول الاتحاد الأوروبي بهذه التحولات، وكيفية إدارة التوازن بين الاحتياجات المدنية والعسكرية في سياسة التمويل الأوروبية.



