شهدت الساحة السياسية في جورجيا تصعيدًا جديدًا مع إعلان الشرطة الجورجية، اليوم الخميس، اعتقال نيكا ميليا، زعيم ائتلاف التغيير المعارض، ليكون ثاني زعيم معارض يُعتقل خلال هذا الشهر في تصعيد جديد يثير مخاوف دولية حول مسار الديمقراطية في دولة القوقاز.
ووفقًا لما أفادت به وزارة الداخلية الجورجية، فقد تم اعتقال ميليا بتهمة الإهانة اللفظية لضابط إنفاذ القانون، ومن المتوقع أن يمثل أمام المحكمة في الأيام المقبلة. إلا أن معارضي الحكومة يؤكدون أن التهم الموجهة ضده ملفقة وتأتي في إطار حملة قمع ممنهجة تهدف إلى إسكات أصوات المعارضة.
تصاعد التوترات السياسية وانقسامات حادة
يأتي اعتقال ميليا في ظل حالة من التوتر السياسي المتصاعد التي تعيشها جورجيا منذ الانتخابات البرلمانية المثيرة للجدل في عام 2024، والتي رفضت جماعات المعارضة الاعتراف بشرعيتها، معتبرة إياها مزورة. ويُتهم حزب “الحلم الجورجي” الحاكم، بقيادة رئيس الوزراء إيراكلي غاريباشفيلي، بإبعاد البلاد عن المسار الديمقراطي المؤيد للغرب وإعادتها تدريجيًا إلى الفلك الروسي، وهو ما يثير قلقًا واسعًا داخل المجتمع الدولي.
وفي بيان مشترك صدر يوم الجمعة، وصف ائتلاف التغيير اعتقال ميليا بأنه “مظهر من مظاهر الخوف بين النظام الروسي”، في إشارة واضحة إلى حزب الحلم الجورجي. وأضاف البيان أن الاعتقال هو “محاولة لاستئصال المعارضة السياسية وإسكات الأصوات الحرة في البلاد”.
خلفية الاعتقال وتهم مضادة
جاء اعتقال ميليا قبل يوم واحد فقط من جلسة استماع مقررة له في المحكمة، تتعلق بتهم منفصلة تتعلق برفضه الإدلاء بشهادته أمام لجنة برلمانية برئاسة حزب الحلم الجورجي، للتحقيق في مزاعم انتهاكات خلال فترة الحكومة السابقة التي كانت بقيادة ميخائيل ساكاشفيلي، الرئيس الجورجي الأسبق المعروف بمواقفه المؤيدة للغرب.
وفي إطار هذه القضية، أمرت محكمة تبليسي ميليا بدفع كفالة بحلول 30 مايو/أيار، لكنه لم يحضر الجلسة، ما أدى إلى إصدار قرار باعتقاله. من جهته، نفى محامي ميليا، جورجي كونداخاشفيلي، صحة هذه التهم واصفًا إياها بأنها “ملفقة لإرغام موكله على الحضور”.
وقال كونداخاشفيلي في مقابلة مع وسائل إعلام محلية: “لا أعرف ما علاقة اعتقاله، في الواقع تم اختطافه من قبل السلطات. لقد تصرفوا بعدوانية ودون أي تفسير”.
اعتقال ثاني في أسبوع واحد
ويعد اعتقال نيكا ميليا الثاني من نوعه خلال أسبوع واحد، إذ سبق أن اعتقلت السلطات جورجيا عضوًا بارزًا آخر في ائتلاف التغيير، زوراب جاباريدزه، في 22 مايو/أيار. وأمرته محكمة جورجية بوضعه رهن الحبس الاحتياطي لفترة غير محددة بعد رفضه المثول أمام اللجنة البرلمانية ذاتها للتحقيق في مزاعم انتهاكات خلال حكم ساكاشفيلي.
ويعتبر جاباريدزه من الوجوه البارزة في المعارضة التي طالبت بإجراء إصلاحات ديمقراطية حقيقية والابتعاد عن النفوذ الروسي المتزايد، وهو ما أدى إلى تصعيد المواجهات مع الحكومة الحاكمة.
اتهامات متبادلة وتحذيرات دولية
وتتهم جماعات حقوق الإنسان والمنظمات الديمقراطية حكومة “الحلم الجورجي” بالتراجع عن التزامها بالقيم الديمقراطية وحرية التعبير، مشيرين إلى أن اعتقال قادة المعارضة يعكس محاولة للسيطرة على المشهد السياسي بالقوة وتهميش الأصوات المعارضة.
من جهتها، تنفي الحكومة الجورجية هذه الاتهامات، معتبرة أن الإجراءات القانونية تأتي في إطار احترام القانون ومحاربة “التحريض والفوضى”. لكن المراقبين يرون أن الوضع في جورجيا يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الديمقراطية في البلاد وعلاقتها بالمجتمع الدولي.
ويأتي هذا التطور وسط مخاوف متزايدة في أوروبا والولايات المتحدة من انزلاق جورجيا إلى فلك النفوذ الروسي في منطقة القوقاز الاستراتيجية، حيث تعد البلاد نقطة حساسة على حدود روسيا ودول حلف الناتو.
ردود فعل المعارضة وأجواء الشارع
في العاصمة تبليسي، خرج مئات المتظاهرين في احتجاجات ضد اعتقال ميليا، مؤكدين استمرارهم في النضال ضد ما وصفوه بـ”الانحراف عن المسار الديمقراطي”. ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بالإفراج عن زعماء المعارضة وتدعو إلى انتخابات حرة ونزيهة.
وقال أحد المشاركين في المظاهرات: “لن نسمح لحكومة الخوف أن تسكت صوتنا، سنواصل المطالبة بالديمقراطية والعدالة”.
ويبدو أن الأزمة السياسية في جورجيا لن تهدأ قريبًا مع استمرار الاحتجاجات وتصعيد الحكومة إجراءاتها القانونية ضد المعارضة. ويظل المجتمع الدولي يراقب عن كثب هذه التطورات، التي قد تؤثر على استقرار منطقة القوقاز بأكملها، وعلى العلاقات بين جورجيا والغرب، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة بين روسيا والغرب.

