رئيسيشئون أوروبية

فرنسا وألمانيا تتحركان نحو ضوابط حدودية مشتركة لمواجهة تحديات الهجرة

في خطوة تعكس سعي باريس وبرلين لإصلاح العلاقات الثنائية التي توترت خلال السنوات الأخيرة، قدم مشرعون فرنسيون وألمان مقترحاً مشتركاً يهدف إلى تعزيز التنسيق على الحدود بين البلدين، من خلال إنشاء آليات رقابة مشتركة، تتضمن دوريات مختلطة لتخفيف التوترات المرتبطة بتشديد ألمانيا لضوابط حدودية.

الاقتراح، الذي اطلعت عليه صحيفة بوليتيكو، يأتي قبل أيام من اجتماع الجمعية البرلمانية الفرنسية الألمانية المقرر عقده في باريس، حيث يتوقع أن يحظى بدعم غالبية الأعضاء من كلا البلدين.

والجمعية البرلمانية، التي تأسست عام 2019، تضم 100 نائباً من الجمعية الوطنية الفرنسية والبوندستاغ الألماني، وتهدف إلى تعميق التعاون السياسي بين أقوى دولتين في الاتحاد الأوروبي.

تشديد ألماني يثير انتقادات

كانت الحكومة الألمانية الجديدة بقيادة المستشار المحافظ فريدريش ميرز قد اتخذت خطوات مشددة مؤخراً لتعزيز الضوابط على حدودها الوطنية في إطار حملة لمكافحة الهجرة غير النظامية.

ورغم أن هذه الإجراءات حظيت بتأييد من قاعدته السياسية، إلا أنها أثارت استياء دول الجوار، وعلى رأسها فرنسا، التي اعتبرت أن التحركات الألمانية الأحادية تقوض اتفاقية “شنغن” وتعيق حرية التنقل، خاصة في مناطق حدودية مثل الألزاس.

واعتبر خبراء الهجرة أن هذه الخطوات ذات طابع رمزي أكثر منها فعّالة، مشيرين إلى أن تأثيرها العملي على تقليص أعداد المهاجرين ضئيل مقارنة بالضرر السياسي والاقتصادي الذي قد تسببه.

اقتراح لدوريات مختلطة وتخفيف الازدحام

نص المقترح المشترك يدعو حكومتي فرنسا وألمانيا إلى “دراسة إمكانية إنشاء آليات مراقبة مشتركة – وخاصة في شكل دوريات فرنسية ألمانية مختلطة”، إلى جانب تقليل الازدحام المروري وتأخير الركاب جراء التفتيش الحدودي، لا سيما في المناطق المأهولة التي تشهد عبوراً يومياً كبيراً من العاملين والطلاب والسكان المحليين.

وقال النائب الألماني المحافظ أندرياس يونغ، أحد معدّي المقترح، إن هذه المبادرة “تحمل وزناً خاصاً لأن ممثلي الشعب في كلا البلدين يطالبون حكوماتهم بالتحرك المشترك”. وأضاف: “نتوقع أن يُتخذ هذا القرار على محمل الجد، وأن يبدأ التنفيذ في القريب العاجل”.

من جانبها، صرّحت النائبة الفرنسية بريجيت كلينكيرت، المشاركة في صياغة المقترح، بأن المسافرين في الألزاس يعانون يومياً من تأخيرات تصل إلى ساعة كاملة بسبب الضوابط الحدودية. وقالت: “الهدف هو العمل معاً بدلاً من أن يتصرف وزير الداخلية الألماني بشكل منفرد”.

فصل جديد في العلاقات الثنائية

يمثل هذا التحرك محاولة واضحة لرأب الصدع الذي نشأ في العلاقات الفرنسية الألمانية خلال فترة المستشار السابق أولاف شولتز، والتي تخللتها خلافات بشأن الدفاع الأوروبي، وسياسات الطاقة، والملف الأوكراني. ومنذ فوز ميرز في انتخابات فبراير 2025، تعهدت الحكومتان بفتح صفحة جديدة من التعاون.

وتعليقاً على اجتماع الجمعية المرتقب، قالت كلينكيرت: “لدي آمال كبيرة بشأن تجديد التعاون الفرنسي الألماني. لقد مررنا بفترات من الجمود، وحان الوقت للعمل المشترك مجدداً”.

وكانت الجمعية قد علّقت اجتماعين سابقين في عام 2024 بسبب اضطرابات سياسية في البلدين، أحدهما في باريس بسبب احتجاجات داخلية، والثاني في برلين نتيجة لتغير القيادة الحكومية.

التعاون يتوسع إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة

الحدود ليست الملف الوحيد على طاولة التعاون. يتوقع أن يتم خلال الاجتماع المقبل إقرار خطة لإنشاء مركز فرنسي ألماني للابتكار الرقمي في المناطق الحدودية، يركّز على الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الكمية، والأمن السيبراني.

كما سيتضمن الاجتماع اتفاقاً على تعزيز التعاون في ملف الطاقة، لا سيما من خلال استراتيجية أوروبية للهيدروجين، واستكشاف الطاقة الحرارية الأرضية، إضافة إلى خطط لتعميق تكامل أسواق رأس المال الفرنسية والألمانية.

ووفقاً للنائب يونغ، يعتزم النواب تقديم مقترحات ملموسة بشأن هذه الملفات قبيل اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي “إيكوفين” في يوليو المقبل، ما يعكس اتجاهاً متصاعداً نحو تمتين العلاقة الاقتصادية والسياسية بين باريس وبرلين.

تحديات ومخاطر

رغم الطابع الإيجابي العام للمبادرة، يظل نجاحها رهناً بإرادة حكومية حقيقية لترجمة المقترحات البرلمانية إلى سياسات تنفيذية. ففي حين أن الجمعية البرلمانية لا تملك صلاحيات إلزامية، إلا أن توصياتها عادةً ما تلقى صدىً سياسياً إذا ما حظيت بدعم شعبي وإعلامي.

والتوتر بشأن الضوابط الحدودية يُعد اختباراً جدياً لرغبة البلدين في الحفاظ على روح التكامل الأوروبي في وجه تصاعد النزعات القومية والشعبوية، خاصة مع اقتراب الانتخابات الأوروبية في 2026.

في المحصلة، فإن اقتراح الدوريات الحدودية المشتركة يمثل أكثر من مجرد استجابة إجرائية؛ إنه مؤشر على أن باريس وبرلين تدركان الحاجة إلى صيغة تنسيق أعمق تعكس تعقيدات المرحلة الأوروبية المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى