مؤشرات على انتهاك إسرائيل التزاماتها الحقوقية… فهل يتحرك الاتحاد الأوروبي؟

في تحول لافت، خلصت مراجعة أوروبية داخلية إلى وجود “مؤشرات” واضحة على أن إسرائيل تنتهك التزاماتها المتعلقة بحقوق الإنسان، لا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، في ظل حرب متواصلة وانهيار إنساني غير مسبوق.
التقرير الذي أعدّته خدمة العمل الخارجي الأوروبي، وهو الجهاز المعني بالسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، لم يُنشر بعد، لكنه سرّب إلى وسائل إعلام أوروبية وأكدته مصادر دبلوماسية. ويأتي هذا التقييم في إطار مراجعة جارية لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، والتي تُعد الإطار الحاكم للعلاقات الثنائية منذ توقيعها عام 2000.
مؤشرات خطيرة ولكن.. بلا قرارات
بحسب المعلومات المتوفرة، فإن الوثيقة تؤكد وجود “مؤشرات” على خرق إسرائيل للمادة الثانية من اتفاقية الشراكة، والتي تنص على أن “احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية يُعدّ عنصراً جوهرياً من الاتفاق”.
لكن ورغم خطورة ما جاء في التقييم، إلا أن الاتحاد الأوروبي لم يتخذ حتى الآن أي خطوات ملموسة لمعاقبة إسرائيل، ولا يبدو أن قرارًا بفرض عقوبات أو تجميد التعاون بات قريبًا.
هل ستُقدَّم الوثيقة للحكومة الإسرائيلية؟
نعم. من المتوقع أن تقوم كايا كالاس، الممثلة العليا للشؤون الخارجية في الاتحاد، بتسليم نتائج المراجعة رسميًا إلى السلطات الإسرائيلية في الأيام المقبلة، تمهيدًا لعرضها على وزراء خارجية دول الاتحاد خلال اجتماع يُعقد يوم الاثنين القادم في بروكسل.
وتعتزم كالاس تقييم موقف العواصم الأوروبية من المراجعة، وطرح “خيارات مستقبلية” قد تشمل خطوات ضغط على إسرائيل، لكنها لن تُناقش قبل يوليو/تموز المقبل.
غزة تترنّح… وأوروبا تتردد
يتزامن هذا الحراك الأوروبي مع أوضاع إنسانية كارثية في قطاع غزة، حيث يتواصل الحصار المشدد والعدوان الإسرائيلي منذ شهور. وأشارت تقارير أممية إلى خطر مجاعة شامل، ووقائع إطلاق نار مميتة على المدنيين، خصوصاً أولئك الذين يصطفون للحصول على الغذاء والمساعدات، في ظل انهيار البنى التحتية والصحية.
في الضفة الغربية، تتواصل الاعتداءات الاستيطانية والتهجير القسري، وسط انتقادات دولية حادة لسياسات الاحتلال.
ماذا يمكن أن يفعل الاتحاد الأوروبي؟
وفق مصادر دبلوماسية، لدى الاتحاد الأوروبي أدوات عدة يمكنه تفعيلها إذا ثبتت الانتهاكات، منها:
تعليق الامتيازات التجارية التي تمنحها اتفاقية الشراكة.
تجميد مشاركة إسرائيل في برامج بحثية وأكاديمية أوروبية.
تقليص التعاون الأمني والتقني.
أو حتى إصدار إدانة رسمية جماعية لانتهاكات حقوق الإنسان.
لكن كل هذه الخيارات تواجه عقبات سياسية داخلية. إذ يشترط بعضها أغلبية مؤهلة من الدول الأعضاء، فيما يتطلب البعض الآخر إجماعًا تامًا، وهو أمر معقد نظرًا لانقسام المواقف بين العواصم الأوروبية.
أوروبا منقسمة… وإسرائيل تراهن على الوقت
تؤيد دول مثل إيرلندا وإسبانيا وبلجيكا اتخاذ مواقف أكثر حزمًا ضد الاحتلال، بينما تعارضها بشدة دول مثل ألمانيا والمجر والنمسا، معتبرة أن الضغط على إسرائيل قد يعقّد الأوضاع أكثر.
وتستفيد تل أبيب من هذا الانقسام، حيث نجحت لسنوات في تجنّب أي إجراء أوروبي عملي ضدها رغم توالي التقارير الدولية التي تتهمها بارتكاب جرائم حرب وأعمال فصل عنصري بحق الفلسطينيين.
تقرير قد يُغيّر قواعد اللعبة… لكن بشروط
ورغم أن التقرير الأوروبي لا يخرج عن كونه تقييمًا أوليًا غير ملزم، إلا أن مجرد فتح باب المراجعة استنادًا إلى المادة الحقوقية في الاتفاقية، يُعد سابقة سياسية لافتة. وهو ما قد يفتح المجال أمام تصعيد قانوني ودبلوماسي لاحق، في حال استمر الوضع الميداني بالتدهور.
لكن يبقى السؤال الأساسي: هل لدى الاتحاد الأوروبي الإرادة السياسية للتحرك فعلاً، أم أن هذا التقييم سينضم إلى سلسلة طويلة من المواقف الرمزية غير المؤثرة؟
يرى مراقبون أن الفرصة لا تزال قائمة أمام الاتحاد الأوروبي لاتخاذ خطوات جادة تضع حقوق الإنسان في صميم علاقاته الخارجية، بما فيها العلاقة مع إسرائيل. لكن إن لم تُترجم هذه “المؤشرات” إلى إجراءات ملموسة، فستكون بروكسل قد أهدرت فرصة جديدة لمساءلة دولة تتجاوز القانون الدولي دون محاسبة، وتُمعن في تقويض كل أمل بحل عادل للقضية الفلسطينية.



