Site icon أوروبا بالعربي

هل يمتلك الاتحاد الأوروبي القدرة على المضي قدمًا بمفرده دون الاعتماد على واشنطن؟

في الوقت الذي يجتمع فيه قادة الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في بروكسل لمناقشة حزمة من الملفات الساخنة، يخيّم سؤال مصيري على القمة: هل يمكن للاتحاد الأوروبي أن يشق طريقه على الساحة الدولية بشكل مستقل، دون الاعتماد على الولايات المتحدة؟

هذا التساؤل لا ينبع من فراغ، بل يتصدر جدول الأعمال وسط تحولات عالمية عاصفة، أبرزها استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا، والاضطرابات المتزايدة في الشرق الأوسط، وتراجع موثوقية الشراكة الأميركية – الأوروبية، خاصة مع قرب انتخابات رئاسية في واشنطن قد تعيد دونالد ترامب إلى السلطة.

القدرات الدفاعية في صدارة الاهتمام

في أعقاب قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة، حيث التزمت 32 دولة عضوة برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، يناقش القادة الأوروبيون سبل ترجمة هذه الالتزامات إلى تعزيز ملموس لقدرات الاتحاد العسكرية، وتمكينه من الاعتماد على نفسه في إدارة الأزمات.

وقال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني، في تصريح لافت: “إذا أردنا الكف عن التوسل لحماية الأميركيين، فعلينا ببساطة أن ننفق أكثر على أمننا. هذه مسألة كرامة أوروبية”. وهو موقف بات يتردد كثيرًا بين المسؤولين الأوروبيين مع تزايد التوجس من الانكفاء الأميركي.

صراعات على التمويل وتوسيع الاتحاد

مع أن التوجه نحو الاستقلال الدفاعي يحظى بدعم سياسي واسع، إلا أن العقبات التقنية والمالية لا تزال حاضرة. فالدول الأعضاء منقسمة حول آليات تمويل صفقات التسلح والتصنيع العسكري المشترك، وكذلك حول سبل تفعيل صندوق دعم أوكرانيا، وسط رفض مجري وسلوفاكي متواصل لأي تصعيد ضد موسكو.

وقد أشار وزير الشؤون الأوروبية البولندي، آدم سزالابكا، إلى أن التوافق حول العقوبات والدفاع “لا يبدو وشيكًا”، خاصة مع اقتراب نهاية الرئاسة الدورية لبولندا للاتحاد الأوروبي.

من جهته، يواصل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان عرقلة انطلاق مفاوضات انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد، مستخدمًا حق النقض (الفيتو) بدعوى “رفض الشعب المجري”، رغم أن الاستفتاء المزعوم الذي يستند إليه لم تتجاوز المشاركة فيه 3 ملايين شخص. في المقابل، تبحث المفوضية الأوروبية سبل تجاوز قاعدة الإجماع في عمليات الانضمام، وهو مسار يحمل في طياته خطر تفجير التماسك المؤسسي للاتحاد.

التغير المناخي والانقسام الفرنسي

على صعيد آخر، يواجه الاتحاد الأوروبي انقسامًا داخليًا بشأن أجندته المناخية. فقد كشفت تسريبات أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يضغط لفصل الالتزامات المناخية لعام 2035 عن تلك المرتبطة بهدف خفض الانبعاثات بحلول 2040، في خطوة تُخشى أن تؤدي إلى تمييع طموحات الاتحاد المناخية.

وبحسب مصادر أوروبية، تحظى المبادرة الفرنسية بدعم من بولندا والمجر، الدولتين اللتين تتأخران عن باقي الأعضاء في التزامات المناخ. وقد نفت وزارة التحول البيئي الفرنسية وجود نية لتقويض المسار المناخي، إلا أن القلق مستمر في الأروقة الأوروبية من تأثير ذلك على مصداقية الاتحاد في قمة المناخ المقبلة.

الهجرة ومخاوف تفكك شنغن

أما في ملف الهجرة، فقد اجتمعت دول الجنوب والشرق الأوروبي صباح اليوم في جلسة غير رسمية لمناقشة التحديات المتزايدة، وسط ضغط شعبي متنامٍ لفرض المزيد من القيود. وتتصاعد المخاوف من أن تؤدي السياسات المتباينة إلى تفكك نظام شنغن لحرية التنقل، خاصة مع إعادة فرض بعض الدول حدودًا داخلية.

رئيس الوزراء الهولندي المؤقت ديك شوف شدد على أن “عودة اللاجئين، وخصوصًا الأوكرانيين بعد وقف الحرب، ستكون اختبارًا كبيرًا لقدرتنا على التنسيق”.

الاتحاد الأوروبي وإسرائيل: ضغط متصاعد

من ناحية أخرى، كشفت مسودة استنتاجات المجلس الأوروبي عن توجه لتكثيف الضغط على إسرائيل في ظل الكارثة الإنسانية في غزة. ويشير نص المسودة إلى مراجعة جارية لاتفاقية الشراكة الأوروبية-الإسرائيلية، في ضوء “الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان”.

وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن “نهج الاتحاد غير متماسك عندما يفرض عقوبات على روسيا ويتغاضى عن جرائم إسرائيل”. وعبّر رئيس الوزراء السلوفيني عن خيبة أمل مماثلة، مشيرًا إلى أن “الاتحاد يفقد قدرته الأخلاقية على الدفاع عن سيادة القانون”.

وبين التحديات الدفاعية والانقسامات الداخلية وتناقضات السياسة الخارجية، يقف الاتحاد الأوروبي عند مفترق طرق وجودي. فهل يمكنه أن يتحول إلى لاعب مستقل على الساحة الدولية؟ أم أن الاعتماد على الآخرين لا يزال قدرًا لا مفر منه؟

في الوقت الراهن، لا تزال الإجابة بعيدة، ويبدو أن الاتحاد، رغم كل الطموحات، لم يقرر بعد إن كان يريد أن يصبح قوة عالمية حقيقية، أم مجرد تكتل اقتصادي واسع الطيف والاهتمامات.

Exit mobile version