رئيسيشئون أوروبية

أورسولا فون دير لاين تبتر الصفقة الخضراء لإنقاذ حياتها السياسية

لم تواجه أورسولا فون دير لاين، طبيبة في أصلها وزعيمة سياسية في حاضرها، مريضاً أعقد من الصفقة الخضراء الأوروبية. والدواء الذي تصفه اليوم لهذا المريض، المصاب بأزمة سياسية حادة، هو البتر – بتر بعض أطراف الصفقة الخضراء لإنقاذ جوهرها.

خلال العام الماضي، أعادت الانتخابات الأوروبية رسم خريطة القوة داخل البرلمان الأوروبي. وأسفرت النتائج عن صعود كتلة يمينية بديلة تفرض ضغوطاً غير مسبوقة على أجندة الاتحاد الأوروبي البيئية التي قادتها فون دير لاين منذ توليها رئاسة المفوضية الأوروبية عام 2019.

صفقة خضراء تحت الحصار

كانت الصفقة الخضراء، التي أطلقتها فون دير لاين مع بداية ولايتها الأولى، مشروعاً طموحاً يهدف إلى تحويل اقتصاد أوروبا جذرياً نحو الحياد المناخي بحلول 2050، عبر إصلاحات شاملة تطال الطاقة والزراعة والصناعة والنقل. لكن المشروع يواجه اليوم تحديات سياسية هائلة.

تحالفٌ متنوع يهاجم الصفقة الخضراء: من جماعات الضغط الصناعية، إلى اليمين المتطرف الذي يصفها بأنها عبء اقتصادي، وحتى من داخل حزب فون دير لاين نفسه، حزب الشعب الأوروبي (EPP) الذي بات أكثر ميلاً إلى اليمين.

وبينما تصر رئيسة المفوضية الأوروبية على التمسك بروح الصفقة الخضراء، فقد اضطرت إلى تقديم تنازلات كبيرة. تقول باولا بينهو، المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية: «نحن متمسكون بالصفقة الخضراء الأوروبية. تغيّر المناخ لن يختفي».

انحناءة أمام الرياح السياسية

لكن واقع البرلمان الجديد فرض نفسه. إذ بدأ مانفريد ويبر، رئيس حزب الشعب الأوروبي، باستخدام الأغلبية اليمينية الجديدة لاستهداف بعض جوانب الصفقة الخضراء. ورداً على ذلك، خففت فون دير لاين مواقفها في عدة ملفات.

دعمت المفوضية قواعد أكثر مرونة لانبعاثات السيارات، وخففت من القيود المفروضة على الشركات، وأعادت توجيه بعض أموال الصناديق الخضراء. لكنها حتى الآن ترفض المساس بالهدف الأساسي: تحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول منتصف القرن.

قال مسؤول رفيع في المفوضية الأوروبية، طلب عدم الكشف عن هويته: «نحن الآن في وضع مختلف تماماً عما كنا عليه عام 2019. الرئيسة لا تزال ملتزمة بالصفقة الخضراء، لكن عليها أن تراعي الحقائق السياسية المتغيرة».

بتر تشريعات بيئية

البتر الذي اختارته فون دير لاين طال بالفعل عدداً من السياسات البيئية. ألغت المفوضية متطلبات الإبلاغ البيئي المفروضة على الشركات، وخففت حظراً كان مقرراً على بيع السيارات ذات محركات الاحتراق بحلول عام 2035، وأسقطت تشريعاً يقيّد استخدام المبيدات الحشرية.

وفي الوقت ذاته، بات من الواضح أن المفوضية تخلت فعلياً عن خططها لتنظيم انبعاثات الكربون من قطاع الزراعة، أحد أكبر مصادر الانبعاثات في أوروبا.

تقول فون دير لاين إنها تفضل التبسيط: «إذا أصبحت الأمور معقدة جداً، فلن تُنفذ السياسات أبداً»، على حد قول المتحدثة باسمها بينهو.

لكن هذا النهج لا يرضي الجميع. قالت فولا تسيتسي، الرئيسة المشاركة لحزب الخضر الأوروبي: «كل هذا التشكيك في سياسات المناخ يثير الكثير من الشكوك. دور فون دير لاين هو الدفاع عن ما كان بالغ الأهمية بالنسبة لها. لا يجب أن تستسلم».

أكبر تنازل حتى الآن

يوم الجمعة الماضي، قدمت فون دير لاين ربما أكبر تنازل لها حتى اليوم. إذ رضخت المفوضية لضغوط من حزب الشعب الأوروبي وجماعات اليمين المتطرف للتخلي عن مشروع قانون لمكافحة التضليل البيئي، وهو مشروع كان يُنظر إليه على أنه أداة مهمة لضمان مصداقية السياسات الخضراء ومنع الشركات من تضليل المستهلكين بشأن ممارساتها البيئية.

هذا التراجع أحدث صدمة لدى المدافعين عن الصفقة الخضراء، الذين يرون أن التراجع عن محاربة التضليل البيئي يقوّض جوهر المشروع.

توازن محفوف بالمخاطر

في خضم هذه المعركة، تحاول فون دير لاين السير على خيط رفيع بين الحفاظ على طموحاتها المناخية، وإرضاء برلمان يميني متحفز لإسقاط مشروعها. وفيما يتسارع تدهور التنوع البيولوجي واستقرار المناخ في أوروبا، تتعالى الأصوات التي تحذر من أن أي تراجع إضافي في الصفقة الخضراء قد يُفقد الاتحاد الأوروبي موقعه الريادي عالمياً في مواجهة التغير المناخي.

وفي النهاية، يبدو أن أورسولا فون دير لاين تواجه أصعب امتحان في حياتها السياسية: إنقاذ الصفقة الخضراء — وإن كلفها ذلك بتر بعض أعضائها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى