رئيسيشئون أوروبية

باريس تفتتح أول حوض سباحة في نهر السين: هيدالغو تضع لمستها الأخيرة على مشروعها الأخضر

ابتداءً من هذا السبت، بات بإمكان الباريسيين وزوّار العاصمة الفرنسية السباحة رسميًا في نهر السين، في خطوة تعدّ تتويجًا طموحًا لسياسات عمدة باريس آن هيدالغو الساعية لتحويل المدينة إلى واحة حضرية أكثر خضرة واستدامة.

المشروع، الذي كلّف نحو 1.4 مليار يورو، يُمثّل أحد أبرز الإنجازات البيئية التي ستسجَّل باسم هيدالغو قبل مغادرتها منصبها العام المقبل. إذ أشرفت العمدة الاشتراكية منذ توليها المنصب عام 2014 على واحدة من أضخم عمليات تجديد شهدتها باريس منذ إعادة تصميمها في القرن التاسع عشر على يد نابليون الثالث والمهندس هوسمان.

من طرق سريعة إلى حدائق وممرات مشاة

طوال العقد الماضي، لم تقتصر مشاريع هيدالغو على تخفيف الازدحام المروري أو تحسين جودة الهواء، بل شملت تحولات عمرانية لافتة. فقد تحوّلت ضفاف السين من طرق سريعة مزدحمة إلى فضاءات مخصصة للمشاة تتخللها حدائق ومراكز ثقافية.

ومنذ عام 2020، زُرعت نحو 130 ألف شجرة جديدة في أرجاء المدينة، كما تحوّلت أماكن إسمنتية خانقة مثل ساحة «بلاس دي لا كاتالونيا» إلى حدائق خضراء بمساحة 4000 متر مربع. أما ساحة الكونكورد الشهيرة، التي كانت في السابق عقدة مرورية، فأصبحت اليوم فضاءً مفتوحاً بأشجار النخيل ومساحات واسعة للمشي.

دعم وإشادة دولية

سياسات هيدالغو الخضراء حظيت بإشادة قادة محليين من مختلف أنحاء العالم. فقد وصفها إريك غارسيتي، عمدة لوس أنجلوس السابق، بأنها «جان دارك التغير المناخي»، فيما أشار جوزيبي سالا، عمدة ميلانو، إلى أنها كانت مصدر إلهام لتحويل مدينته إلى مدينة أكثر خضرة. كذلك قالت شارون ديكسما، عمدة أوتريخت الهولندية، إن تجربة هيدالغو تُعد نموذجاً لـ«الشجاعة السياسية».

لكن على الرغم من هذه الإشادات، واجهت هيدالغو انتقادات محلية واسعة، خاصة بعد حصولها على 1.7٪ فقط من الأصوات في الانتخابات الرئاسية عام 2022، ما أظهر انقسام الرأي العام الفرنسي حول سياساتها البيئية، وخصوصًا بين سكان باريس وذوي الدخل المنخفض الذين يقطنون في الضواحي ويعتمدون على سياراتهم للتنقل.

تقليص السيارات وخفض التلوث

منذ بداية ولايتها، وضعت هيدالغو نصب عينيها الحدّ من حركة السيارات في المدينة. أغلقت طرقاً أمام المدارس، وسعت لتوسيع الأرصفة، وفرضت قيوداً صارمة على حركة المرور في قلب باريس، وخفّضت السرعة المسموح بها في الطريق الدائري «بوليفارد بيريفيريك» من 70 إلى 50 كيلومترًا في الساعة.

وأظهرت بيانات «أيرباريف»، المنظمة غير الربحية المعنية بجودة الهواء، انخفاضًا بنسبة 55٪ في الجسيمات الدقيقة و50٪ في ثاني أكسيد النيتروجين منذ عام 2005. كما ساهمت السياسات في تقليل مستويات الضوضاء والحوادث المرورية.

الخبير الحضري الكندي برنت تودريان اعتبر أن هذه التحولات كانت إيجابية حتى للسائقين أنفسهم، قائلاً: «عندما كان الجميع يحاول القيادة، كانت المدينة تُشلّ في قلبها. اليوم، من لا يزال يحتاج إلى سيارته يمكنه استخدامها بسهولة أكبر لأن الآخرين لديهم بدائل أفضل».

إرث أخضر قد يصعب التراجع عنه

سيترك افتتاح حوض السباحة الجديد في نهر السين إرثاً بيئياً وهندسياً يُضاف إلى قائمة إنجازات هيدالغو. وقد احتفلت العمدة مؤخرًا بالذكرى العاشرة لاتفاق باريس للمناخ، مستعرضة التغييرات البيئية التي شهدتها المدينة خلال ولايتها.

على الصعيد السياسي، حرصت هيدالغو على تمرير تشريعات تمنع أي إدارة مستقبلية من التراجع عن مشاريعها الخضراء الكبرى، مثل إلزامية تخصيص 65٪ من أي قطعة أرض تتجاوز مساحتها 150 مترًا مربعًا كمساحة خضراء أو مزروعة حتى عام 2040.

المستقبل السياسي لباريس

رغم الإنجازات، تواجه هيدالغو وحزبها الاشتراكي تحديات كبرى. فالمدينة تتأهب لمعركة انتخابية محتدمة عام 2026، وسط تراجع دعم الاشتراكيين في استطلاعات الرأي. ويبدو أن إرث هيدالغو البيئي سيكون محوراً مركزياً في تلك الانتخابات، إذ يرى البعض فيه نموذجاً يُحتذى به، بينما يعتبره آخرون عبئاً على الفئات التي تعتمد على السيارات أو تواجه صعوبات مع تكاليف المعيشة المرتفعة.

ومع أن عمدة باريس قد توشك على مغادرة المسرح السياسي، فإن حوض السباحة في نهر السين – رمز مشروعها لتحويل باريس إلى مدينة أكثر خضرة وصحة – سيبقى شاهداً على طموحها البيئي الذي غيّر وجه العاصمة الفرنسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى