تواجه رومانيا أسبوعًا حاسمًا مع استعداد وزراء مالية الاتحاد الأوروبي للتصويت على خطة صارمة تلزم بوخارست بكبح جماح إنفاقها المفرط، وسط مخاوف متزايدة من أن استمرار العجز المرتفع قد يزجّ البلاد في أزمة مالية شبيهة بتجربة اليونان.
بعد سنوات من الإنفاق الذي تجاوز إمكانياتها، تجد رومانيا نفسها على شفا مواجهة مع بروكسل، إذ يُتوقع أن يبلغ عجز الميزانية هذا العام نحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأعلى في الاتحاد الأوروبي.
وقال الرئيس الروماني الجديد نيكوسور دان، الذي تولى منصبه في مايو الماضي بعد حملة انتخابية وعد خلالها بمكافحة الفساد وضبط الإنفاق: «نحن كمن يأكل بيتزا كبيرة ويدفع ثمن بيتزا متوسطة».
ضغوط أوروبية متصاعدة
أثار هذا الوضع المالي المتدهور انتقادات متكررة من المفوضية الأوروبية، ما دفع رئيس الوزراء إيلي بولوجان إلى الإعلان أن تجاهل مطالب بروكسل لم يعد ممكنًا.
وقال بولوجان الأسبوع الماضي: «الحصول على التمويل الأوروبي مشروط بالإصلاح المالي؛ وبدونه سنفقد إمكانية الوصول إلى هذه الأموال. تخيلوا ماذا يعني عدم قدرتنا على مواصلة نصف الاستثمارات الجارية في الطرق السريعة وخطوط السكك الحديدية والمشاريع في جميع أنحاء رومانيا».
وأضاف محذرًا من احتمال خفض التصنيف الائتماني للبلاد: «لا يمكننا أن ندع بلدنا ينتهي به المطاف إلى وضع مشابه لوضع اليونان».
ومن المقرر أن يصوت وزراء مالية الاتحاد الأوروبي يوم الثلاثاء في اجتماع إيكوفين على تفاصيل خطة ملزمة تحدد ما يجب على بوخارست تنفيذه لخفض عجزها، وهو ما يمثل ضغطًا غير مسبوق على الحكومة الرومانية الجديدة.
خطة تقشف مثيرة للجدل
استبق بولوجان التصويت الأوروبي بالعمل على حزمة واسعة من تدابير التقشف، تشمل زيادات ضريبية وخفضًا للنفقات، رغم تحذيرات من أثرها المحتمل على النمو الاقتصادي وشعبية الحكومة.
وقال رئيس الوزراء في مقابلة مع قناة «أنتينا 3» التابعة لشبكة CNN: «إن النهج السابق لبوخارست كان أشبه بالصبي الذي يصرخ “ذئب!” مرارًا دون أن يحدث شيء. الآن إذا حدثت أزمة حقيقية، لن يصدقنا أحد أو يهبّ لمساعدتنا».
وتتضمن خطة بولوجان زيادات في ضريبة القيمة المضافة، بما في ذلك على السلع الأساسية مثل الغذاء، وفرض ضرائب على أرباح البنوك ومكاسب القمار، فضلاً عن تحديد سقف للمعاشات ورواتب القطاع العام، وإلزام المعلمين بساعات عمل أطول، وزيادة الرسوم على الوقود والكحول والتبغ.
صدمة سياسية واقتصادية
من المقرر بدء تنفيذ المرحلة الأولى من الإصلاحات في أغسطس المقبل، على أن تبدأ المرحلة الثانية مطلع العام المقبل. ورغم أن الائتلاف الحاكم المكوّن من أربعة أحزاب يبدو مستقرًا، إلا أن التحدي الأكبر يبقى في الشارع.
وقال رادو ماجدين، المستشار الحكومي السابق: «سنشهد تراجعًا في شعبية رئيس الوزراء والأحزاب الحاكمة في استطلاعات الرأي». وأضاف: «صحيح أن أعمال الشغب أقل احتمالاً، لكن احتجاجات الشارع قد تتبع حزم الموازنة المقبلة. الصيف يمنح الحكومة فترة هدوء، لكن الخطر الحقيقي سيأتي في خريف السخط بعد انتهاء العطلات».
ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن الخطر الأكبر يكمن في فقدان ثقة المستثمرين، وهو ما قد يرفع تكاليف الاقتراض على رومانيا، ويجعل أعباء خدمة الديون أكثر فداحة، الأمر الذي يهدد بدخول البلاد في دوامة مالية خطيرة.
الموعد الحاسم في أكتوبر
سيحدد وزراء مالية الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع الإطار العام الذي تريد بروكسل رؤيته من خطة رومانيا الإصلاحية، لكن من غير المرجح أن يتمكنوا من دراسة تفاصيل خطة بولوجان بالكامل قبل التصويت.
وسيكون أمام الحكومة الرومانية حتى 15 أكتوبر المقبل لإعداد ميزانية تلبي متطلبات خفض العجز.
وقال دانييل دايانو، رئيس المجلس المالي الروماني، إن البلاد يجب أن تخفض العجز إلى أقل من 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2026. وأضاف: «خفض الإنفاق وزيادة الضرائب سيؤثران على النمو، لكن لا بديل عن ذلك».
وبينما تتجه الأنظار إلى بروكسل، يتساءل كثيرون في بوخارست إن كانت الحكومة ستنجح في عبور هذه الأزمة دون السقوط في فخ الغضب الشعبي أو الانهيار المالي الذي لا يريده أحد.

