تواجه خطة المفوضية الأوروبية لفرض ضريبة جديدة على الشركات الكبرى العاملة في الاتحاد الأوروبي معارضة واسعة من الحكومات الوطنية والبرلمان الأوروبي، مما يجعل من المستبعد أن ترى هذه الضريبة النور في شكلها المقترح.
أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عن هذه الضريبة يوم الأربعاء ضمن مشروع ميزانية الاتحاد الأوروبي طويل الأجل، بهدف جمع حوالي 6.8 مليار يورو سنويًا، لتكون مصدرًا جديدًا لتمويل برامج الاتحاد وسداد ديون أزمة كوفيد-19.
المعارضة من الدول الأعضاء: ألمانيا وهولندا في الطليعة
لم تمر فترة طويلة حتى أعلنت ألمانيا وهولندا رفضهما القاطع للخطة، ما يمثل ضربة قاسية للمقترح. فقد قال وزير المالية الألماني كريستيان ميرز خلال مؤتمر صحفي في لندن مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر: “لا مجال لفرض الاتحاد الأوروبي ضرائب على الشركات، إذ لا يملك الاتحاد الأوروبي أساسًا قانونيًا لذلك”، مؤكداً “لن نفعل ذلك”.
واللافت أن ميرز وفون دير لاين ينتميان إلى الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني نفسه، مما يعكس انقسامًا داخليًا داخل الحزب حول هذه القضية.
ومن الجانب الهولندي، قال متحدث حكومي لصحيفة بوليتيكو إن المسألة “ليست مطروحة للنقاش”، مؤكدًا ضرورة أن يركز الاتحاد الأوروبي على خفض ميزانيته بدلًا من زيادتها.
كما أبدى دبلوماسي من دولة جنوبية أقل ازدهارًا في أوروبا صعوبة في بقاء المقترح على قيد الحياة بسبب المعارضة المتزايدة.
البرلمان الأوروبي يعارض بشدة
لم تكن المعارضة حكراً على الدول، إذ عبر أعضاء البرلمان الأوروبي عن رفضهم للخطة. قالت مونيكا هولمير، النائبة عن حزب الشعب الأوروبي ونائبة رئيس لجنة الميزانية: “هذه الضريبة تتناقض مع جهودنا لتعزيز القدرة التنافسية للشركات الأوروبية، وخاصة المتوسطة منها”.
وأضافت: “نحن ندعم هذه الشركات من خلال صندوق ضخم يعزز الابتكار والإنتاجية ويقوي الاتحاد كمركز استثماري عالمي جذاب”. ويُذكر أن حزب الشعب الأوروبي هو أكبر كتلة سياسية في البرلمان الأوروبي، وحزب فون دير لاين نفسه.
تفاصيل الضريبة المقترحة: رسم ثابت على الإيرادات وليس الأرباح
من المقرر أن تفرض الضريبة على الشركات التي تحقق إيرادات سنوية تتجاوز 100 مليون يورو، بغض النظر عن ربحيتها، وهو ما أثار جدلاً واسعًا.
تتراوح الرسوم بين 100 ألف يورو للشركات التي تحقق مبيعات بين 100 و250 مليون يورو، وحتى 750 ألف يورو للشركات التي تزيد إيراداتها عن 750 مليون يورو.
هذه الطريقة تعني أن شركة تحقق إيرادات 750 مليون يورو تدفع نفس المبلغ تقريبًا التي تدفعه شركة تصل إيراداتها إلى 75 مليار يورو، مما أثار انتقادات شديدة.
القطاع الخاص وجماعات الضغط ترفض المقترح
وصف ماركوس جيه باير، المدير العام لمؤسسة “بيزنس يوروب” لجماعة الضغط التجارية، الاقتراح بأنه “مضاد للإنتاجية تمامًا”، فيما حذر ستيفان بان، نائب رئيس اتحاد الصناعات الإيطالية، من أن الرقم المحدد (100 مليون يورو) قد “يعيق نمو الشركات المبتكرة”.
وطالبت تانيا جونر، المديرة العامة لاتحاد الصناعات الألمانية، برلين باتخاذ موقف صارم ضد الضريبة، ووصفتها بأنها تتعارض مع الأهداف الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي.
خبير اقتصادي: الضريبة “سيئة للغاية” وغير عادلة
قال زولت دارفاس، الباحث في مركز بروغل للأبحاث، إن فرض ضريبة على حجم الإيرادات بدلاً من الأرباح هو خيار “سيء للغاية” لأنه يؤثر بشكل غير عادل على قطاعات مختلفة ذات هوامش ربح متفاوتة.
وأضاف أن الضريبة “رجعية” وتضع شركات ذات أوضاع مالية مختلفة في سلة واحدة، ما يعد أمرًا غير عادل ويضر بالقدرة التنافسية للقطاع الصناعي الأوروبي.
السياق الاقتصادي والسياسي
تمر ألمانيا حاليًا بفترة ركود اقتصادي مستمر، وهو ما يجعل الحكومة أكثر حذرًا في سياساتها المالية، خصوصًا مع تصاعد حرب التجارة مع الولايات المتحدة وتأثيرها على النمو الاقتصادي القائم على التصدير.
وقد حذر مسؤولون اقتصاديون في الحكومة الألمانية من أن ميزانية الاتحاد الأوروبي يجب أن تراعي تأثير الضرائب على القدرة التنافسية للاقتصاد الأوروبي.
مبررات الضريبة… ولكن المعارضة قوية
يقر البعض بوجود مبررات منطقية للضريبة، خاصة أن الشركات الأوروبية تستفيد من السوق الموحدة، التي تسمح بتجارة سلسة داخل أكبر سوق موحدة في العالم.
وقال المشرع الفرنسي فابيان كيلر من مجموعة “رينيو” الليبرالية إن الضرائب مرتبطة بمنفعة عامة للاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، فإن الرفض المتزايد من الدول الأعضاء والبرلمان يترك الضريبة المقترحة دون فرص كبيرة للبقاء في شكلها الحالي، مما يهدد بإسقاطها أو تعديلها جذريًا قبل اعتمادها.

