اشتعلت التوترات بين عواصم الاتحاد الأوروبي عقب إعلان المفوضية الأوروبية عن مقترح الميزانية متعددة السنوات لما بعد عام 2027، والتي تبلغ قيمتها الإجمالية 1.8 تريليون يورو.
وبينما احتفلت وارسو بالحصول على “نصيب الأسد” من المخصصات الجديدة، عبّرت برلين وبودابست عن استيائهما من الخطة، ما يحوّل نقاش الميزانية إلى معركة قومية مكشوفة.
بولندا في موقع المنتصر
برزت بولندا كأكبر مستفيد من “خطط الشراكة الوطنية والإقليمية”، وهي صندوق جديد بقيمة 865 مليار يورو يجمع الأموال الزراعية والإقليمية وصناديق الهجرة.
وبحسب الأرقام الأولية، ستتلقى بولندا 123.3 مليار يورو، متفوقة على فرنسا بنحو 30 مليار يورو، ما يعزز مكانتها كأكبر متلقٍّ للدعم الأوروبي في المرحلة المقبلة.
ولم تضيع حكومة يمين الوسط في وارسو الفرصة لاعتبار ذلك انتصارًا سياسيًا داخليًا. فقد ظهر مفوض الميزانية الأوروبي بيوتر سيرافين، وهو بولندي الجنسية، إلى جانب وزير الشؤون الأوروبية آدم سزابكا، في مقطع فيديو أمام مقر المفوضية، يصف الخطة بأنها “أكثر ميزانيات الاتحاد الأوروبي طموحًا في تاريخه”، مؤكدًا أن “بولندا ستكون المستفيد الأكبر منها”.
وفي تصريحات موجهة للداخل البولندي، وجّه سزابكا انتقادات إلى حزب “القانون والعدالة” القومي المعارض، مذكّرًا بأن الأموال الأوروبية كانت مجمدة في السابق بسبب مشكلات متعلقة بسيادة القانون خلال حكم الحزب.
واعتبر الوزير الحالي أن إطلاق التمويل الجديد دليل على “استعادة بولندا لمكانتها في أوروبا”.
إنجاز سياسي لتوسك
رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، الذي يواجه ضغوطًا من شركائه في الائتلاف، سارع هو الآخر إلى الترويج للميزانية الجديدة كنجاح دبلوماسي يعزز مصداقية حكومته، ويرمم صورة بولندا في بروكسل بعد أعوام من الخلافات.
ومع ذلك، يشير مراقبون إلى أن بولندا كانت بالفعل المستفيد الأكبر من الميزانيات السابقة. فبين عامي 2021 و2027، خُصص لها نحو 112 مليار يورو بالأسعار الجارية، ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على الدعم الأوروبي لتطوير المناطق الريفية وتعزيز البنية التحتية.
برلين: “لا” للميزانية بصيغتها الحالية
في المقابل، أعربت ألمانيا — أكبر مساهم صافٍ في ميزانية الاتحاد الأوروبي — عن اعتراضها على الخطة المقترحة، معتبرة أن حجم الميزانية الإجمالي “غير مقبول” في وقت تشهد فيه البلاد تقشفًا ماليًا.
وقال وزير المالية الألماني لارس كلينجبيل: “يجب أن نحافظ على التوازن المالي التام”، بينما أشار المتحدث باسم المستشار فريدريش ميرز إلى أن برلين “لن تقبل هذه الصيغة”.
ألمانيا، التي من المقرر أن تحصل على 68.4 مليار يورو من الخطة، دفعت العام الماضي 33.8 مليار يورو إلى ميزانية الاتحاد، واستردت فقط 14 مليار يورو، أي ما يعادل 41 سنتًا لكل يورو ساهمت به. وهو فارق يُتوقع أن يشكل محورًا أساسيًا في جولات التفاوض المقبلة.
المجر ترفض “خطة الإنقاذ الأوكرانية”
في بودابست، جاء الرد أكثر حدة، إذ وصف رئيس الوزراء فيكتور أوربان الميزانية الجديدة بأنها “خطة إنقاذ لأوكرانيا”، معلنًا رفضه القاطع لها. وقال في تصريح نشره على حسابه في منصة X: “ما الذي تبقى لنا؟ أقل من أي وقت مضى. لن أؤيد هذا أبدًا”.
ورغم الخلافات، تُظهر خطط المفوضية توجهًا لتوزيع المهام والتمويل وفقًا لأولويات جغرافية وسياسية جديدة. حيث تتصدر ألمانيا واليونان وإسبانيا مخصصات الهجرة والأمن والحدود، في حين حصلت بولندا على 1.9 مليار يورو في هذا المجال، ما يجعلها المتلقي الأكبر في أوروبا الشرقية.
ما وراء الأرقام
تعتمد مخصصات الميزانية الأوروبية على مزيج من التفاوتات الاقتصادية، والحصص التاريخية، والسياسات الوطنية، ما يجعل التفاوض حولها معقدًا وحساسًا سياسيًا. كما أن التركيز الجديد على قضايا الهجرة والحدود والطاقة يزيد من تعقيد الأولويات بين الدول الأعضاء.
وبينما يرى البعض في الخطة خطوة نحو “اتحاد أكثر تكاملًا”، ينظر آخرون إليها كإعادة ترسيم لتحالفات القوة داخل الاتحاد.
وفي النهاية، ستحدد جولات التفاوض القادمة ما إذا كانت بروكسل قادرة على التوفيق بين مصالح الشمال والجنوب، والشرق والغرب، في ميزانية توصف بأنها الأضخم في تاريخ الاتحاد — والأكثر إثارة للجدل.

