مقاتلات الجيل القادم الأوروبية تواجه “لحظة الحقيقة”: خلافات فرنسية-ألمانية تهدد مشروع FCAS

بينما تتطلع أوروبا إلى امتلاك طائرة مقاتلة من الجيل السادس بحلول عام 2040، تواجه جهود تطوير نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) لحظة حاسمة خلال الأشهر المقبلة، حيث يتعين على فرنسا وألمانيا حل سلسلة من الخلافات السياسية والتقنية والصناعية لضمان استمرارية المشروع في مرحلته الثانية.
جاء هذا التحذير الصريح خلال لقاء عقده وزير القوات المسلحة الفرنسي سيباستيان ليكورنو مع نظيره الألماني بوريس بيستوريوس في مدينة أوسنابروك الألمانية، مسقط رأس الوزير الألماني، الخميس.
وقال ليكورنو: “ستكون هناك لحظة حاسمة في الأسابيع المقبلة. لا بد من تقديم حلول لجميع الإشكاليات العالقة، وعلى الجميع—بمن فيهم الشركات الصناعية—تحمّل مسؤولياتهم. لا مكان في هذا المشروع لمشاكل لا حلول لها.”
وأكد بيستوريوس من جانبه التزام بلاده بالانتقال إلى ما يُعرف بـ “المرحلة الثانية”، والتي تتضمن بناء نموذج تجريبي فعلي للطائرة، لكنه أقر بوجود قضايا تحتاج إلى معالجة عاجلة.
FCAS: طموح أوروبي كبير تحت ضغط الزمن
أُطلق مشروع FCAS عام 2017 بمبادرة من الرئيس الفرنسي آنذاك إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، قبل أن تنضم إليه إسبانيا لاحقًا. ويهدف المشروع إلى إنتاج طائرة مقاتلة من الجيل السادس تُعرف باسم NGF – Next Generation Fighter، ضمن منظومة متكاملة تضم طائرات بدون طيار وأنظمة اتصالات وقيادة مركزية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
تقود المشروع شركات الدفاع الكبرى في الدول الثلاث: داسو الفرنسية، وإيرباص للدفاع والفضاء الألمانية، وإندرا الإسبانية. لكن الخلافات المتكررة بين داسو وإيرباص حول تقاسم المهام، تُهدد بتأخير الجدول الزمني للمشروع، وهو ما تعتبره باريس غير مقبول.
تقاسم العمل: جوهر الأزمة
تصر شركة داسو على تولي القيادة في تطوير الطائرة المقاتلة نفسها، في حين تطالب إيرباص بدور أكبر، وهو ما أدى إلى توتر دائم بين الشريكين. ويخشى الفرنسيون من أن توزيعًا غير متوازن للمهام قد يؤدي إلى تعطيل التقدم وتأخير التسليم المستهدف في 2040.
وقال ليكورنو إن تقاسم الأدوار ليس مسألة تقنية فحسب، بل “قرار سياسي يجب حسمه في أقرب وقت”، مشددًا على ضرورة احترام الشراكة الثلاثية مع ضمان الكفاءة والالتزام بالجدول الزمني.
صادرات الأسلحة… خلاف عابر للحدود
إلى جانب الخلافات التقنية، تبرز مسألة سياسة التصدير الدفاعي الألمانية كعقبة إضافية أمام المشروع. إذ تتبنى برلين موقفًا أكثر تحفظًا تجاه تصدير الأسلحة، وسبق أن رفضت بيع معدات لدول تُتهم بانتهاكات حقوق الإنسان، بينما تواصل فرنسا صفقاتها الدفاعية مع دول الخليج، مثل قطر.
وفي محاولة لطمأنة باريس، قال بيستوريوس: “يجب أن يكون شركاؤنا في مشاريع الدفاع المشترك قادرين على الاعتماد علينا، خصوصًا فيما يتعلق بسياسة التصدير. لا مكان للمفوضية الأوروبية في هذا المجال.”
مواعيد حاسمة قادمة
من المقرر أن تنتهي المرحلة 1ب من مشروع FCAS في ديسمبر 2025، وعلى الدول الثلاث اتخاذ قرار بشأن الانتقال إلى المرحلة التالية بحلول هذا الموعد. ورغم أن مجلس الأمن والدفاع الفرنسي-الألماني المقرر عقده في تولون أواخر أغسطس لن يصدر قرارًا نهائيًا، فإن اجتماعًا وزاريًا مخصصًا للمشروع في أكتوبر سيكون حاسمًا.
وقال ليكورنو: “بمجرد اعتماد المرحلة الثانية، سنبدأ ببناء الطائرة معًا. وفي الوقت نفسه، يتعين على القوات الجوية وهيئات شراء الأسلحة في كلا البلدين تعزيز تنسيقهما.”
مشروعات موازية: تحديات وفرص
شمل اللقاء أيضًا مناقشة مشاريع أوروبية دفاعية موازية، أبرزها “يورودرون” للطائرات دون طيار، والذي تفكر باريس في الانسحاب منه، بالإضافة إلى التعاون في أنظمة الإنذار المبكر، ومشروع دبابة القتال المستقبلية المشتركة (MGCS)، الذي يشهد تسارعًا في التطوير مؤخرًا.
وأكد بيستوريوس أن “المراجعة الحالية لمشروع FCAS لا تعني إعادة ضبط، بل تقييم مرحلي طبيعي”، في إشارة إلى محاولات تجنب المزيد من التأخير.
وبين الطموحات الاستراتيجية والخلافات السياسية والتجارية، يواجه مشروع FCAS اختبارًا حقيقيًا في الأشهر المقبلة. نجاحه سيؤمن لأوروبا قدرات دفاعية سيادية مستقلة لعقود، أما فشله فقد يفتح الباب أمام حلول بديلة من خارج القارة.



