أثارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني جدلاً جديدًا في الساحة الأوروبية بشأن المسار الدبلوماسي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، محذرة من أن الاعتراف الرسمي السابق لأوانه “قد يأتي بنتائج عكسية”، وذلك في وقت تتزايد فيه المبادرات الأوروبية المؤيدة لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي مقابلة مع صحيفة لا ريبوبليكا الإيطالية، قالت ميلوني: “أنا أؤيد بقوة قيام دولة فلسطينية، ولكنني لا أؤيد الاعتراف بها قبل قيامها فعليًا”، مضيفة: “إذا تم الاعتراف بشيء غير موجود بعد على أرض الواقع، فقد يعطي انطباعًا مضللًا بأن المشكلة قد حُلّت، بينما هي لا تزال قائمة”.
وأضافت رئيسة الوزراء الإيطالية أن الاعتراف الرمزي بدون مسار سياسي أو تفاوضي واضح “قد يُضعف الجهود الرامية إلى تحقيق حل الدولتين، بدلًا من أن يُعزّزها”، مشددة على ضرورة “تجنب الإجراءات التي تُشعر أحد الطرفين بأنه تخطّاه الزمن أو تجاوزته الأحداث”.
تصريحات متزامنة مع توجه فرنسي معاكس
تأتي تصريحات ميلوني بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده ستعترف رسميًا بالدولة الفلسطينية، لتكون بذلك أول دولة من مجموعة الدول السبع تتخذ هذا الموقف. ومن المقرر أن تعلن باريس قرارها في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول المقبل.
وفي بيان نُشر على موقع الرئاسة الفرنسية، كتب ماكرون: “الحاجة ماسة اليوم لإنهاء الحرب في غزة وتقديم المساعدات للمدنيين. على فرنسا، بالتعاون مع الإسرائيليين والفلسطينيين وشركائنا الدوليين، أن تُظهر أن السلام في الشرق الأوسط ممكن”.
وقد رحبت السلطة الفلسطينية بإعلان فرنسا، معتبرة إياه خطوة تاريخية نحو “تصحيح الظلم التاريخي بحق الشعب الفلسطيني”، في حين نددت به الولايات المتحدة وإسرائيل بشدة. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الاعتراف “يكافئ الإرهاب” بعد الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
انقسام أوروبي حول التوقيت والجدوى
وبينما اتخذت 11 دولة من أصل 27 دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي خطوة الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، مثل إسبانيا والسويد ورومانيا وأيرلندا وبلغاريا، لا تزال دول رئيسية أخرى متحفظة على هذه الخطوة.
ففي بريطانيا، رفض رئيس الوزراء الجديد كير ستارمر الدعوات البرلمانية المتزايدة للاعتراف الفوري بدولة فلسطينية، مفضلاً تركيز الجهود على المسار التفاوضي. وقال متحدث باسم الحكومة إن “المملكة المتحدة تؤمن أن التوقيت ينبغي أن يخدم عملية السلام لا أن يسبقها”.
أما ألمانيا، فقد جددت موقفها الرسمي يوم الجمعة عبر متحدث حكومي أكد أن “برلين لا تخطط للاعتراف بدولة فلسطينية على المدى القريب”، مضيفًا أن الأولوية الألمانية تبقى في “تحقيق تقدم ملموس باتجاه حل الدولتين وفق إطار تفاوضي”.
الخلفية الدولية
حتى الآن، تعترف أكثر من 130 دولة من أصل 193 دولة عضوًا في الأمم المتحدة بدولة فلسطين، بينما تسعى القيادة الفلسطينية إلى توسيع دائرة الاعترافات الدبلوماسية، لا سيما من الدول ذات الثقل السياسي والاقتصادي.
وقد تجددت هذه المساعي مع تصاعد الغضب الدولي من العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة، وارتفاع عدد ضحايا المجاعة والتجويع، إضافة إلى تصاعد الضغوط على إسرائيل للامتثال لقرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
نظرة إلى المستقبل
تصريحات ميلوني تكشف عن انقسام أوروبي متجدد حول أدوات دعم القضية الفلسطينية، ومدى جدوى الاعتراف الدبلوماسي من دون وجود كيان فعلي أو تسوية شاملة. وبينما ترى بعض الدول أن الاعتراف هو ورقة ضغط ضرورية لتغيير قواعد اللعبة، ترى أخرى أنه قد يُفرغ عملية السلام من مضمونها إذا لم يُرافق بخطة تنفيذية حقيقية.
في هذا السياق، يُنتظر أن تشهد الجمعية العامة المقبلة للأمم المتحدة في سبتمبر نقاشًا حادًا حول المسار السياسي للقضية الفلسطينية، ومدى إمكانية الدفع نحو حل الدولتين في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.

