لم يجف بعد الحبر على خطة التمويل الأوروبية الجديدة التي تبلغ قيمتها 1.8 تريليون يورو، والتي صاغتها المفوضية الأوروبية لما بعد عام 2027، حتى بدأت الحكومات الوطنية السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي بالاستعداد لتفكيكها تدريجياً عبر مفاوضات طويلة وشاقة ستستمر لعامين على الأقل. لكن خلف الكواليس، تقف امرأة واحدة في قلب هذه العاصفة: ستيفاني ريسو، الموظفة الهادئة ظاهرياً، التي تحولت إلى أكثر الأسماء نفوذاً وإثارة للجدل في بيروقراطية بروكسل.
اليد الخفية وراء الميزانية
ريسو، الفرنسية التي تبلغ من العمر 49 عاماً، مخضرمة في العمل الأوروبي. راكمت خبرات سياسية عميقة خلال أزمات منطقة اليورو، وخروج بريطانيا من الاتحاد، وفترة التعافي من جائحة كوفيد. وهي اليوم تتولى أخطر وأهم مهمة في المفوضية: إعادة هيكلة الميزانية الأوروبية متعددة السنوات، لتنتقل من دعم المزارعين والمناطق الريفية إلى تمويل الصناعات الحديثة والمشاريع التكنولوجية.
ورغم أن الأضواء كانت مسلطة على رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، فإن ريسو هي التي صاغت الخطة النهائية للميزانية، عبر اجتماعات ماراثونية أُنجزت في غرفة مغلقة ضمّت ثلاثة أشخاص فقط: ريسو، ورئيس ديوان فون دير لاين، ومستشارة التعافي الاقتصادي سيلين غاور. وقال أحد المسؤولين الأوروبيين: “الإطار المالي تم تصميمه من قبل ثلاثة أشخاص محاصرين في غرفة واحدة”.
معركة بيروقراطية… وصراع سياسي
إعداد الميزانية، الذي عادة ما يكون عملية تقنية بحتة، تحوّل هذه المرة إلى ساحة معركة سياسية ليلية ساخنة. فقد شهدت قاعات بيرلايمونت، مقر المفوضية الأوروبية، مشاهد وصفت بأنها “شبه جسدية” بين المفوضين، في مواجهة مباشرة لمحاولات ريسو تمرير أكثر الإصلاحات تطرفاً.
ويرى منتقدوها أنها تهمّشت الإدارات، ودفعت بإجراءات تقشفية بدون الرجوع إلى الهيئات المختصة، كما أنها ضيّقت الخناق على البنود التي تهمّ المزارعين والباحثين والحكومات الإقليمية. وقال أحد المسؤولين: “ليست لديها أعداء كثر، لكن الكثيرين يخشونها”، بينما وصفها آخر بأنها “الأشد صلابة من بين الجميع”.
“راهبة الحرب” في بيروقراطية الاتحاد
لا تشبه ستيفاني ريسو الصورة النمطية للموظف الأوروبي الكلاسيكي. يُعرف عنها أنها ذكية، ساخرة، قوية الشخصية، ترتدي ملابس رسمية داكنة، ويُطلق عليها زملاؤها لقب “راهبة الحرب” بسبب تفانيها اللامحدود في مواجهة الأزمات.
ورغم انتقادات البعض، لا ينكر الكثيرون قدراتها التفاوضية. خلال محادثات خروج بريطانيا، تدخلت في اللحظات الحرجة عام 2020 وساهمت في تجنب انهيار المحادثات مع لندن. يقول عضو سابق في فريق التفاوض البريطاني: “كانت العامل الحاسم الذي أنقذ الاتفاق في النهاية”.
ميزانية “القلعة” ونيران المعارضة
أعدت ريسو وفريقها المقرب الميزانية الجديدة في مبنى إداري قاتم يُعرف بأنه “بارد جداً شتاءً وحار جداً صيفاً”. وحرصت على إبقاء المشروع في سرية تامة، حتى عن بعض المفوضين، فيما وصفه أحد الدبلوماسيين بأنه “جدار صمت بطريقة المافيا”.
لكن ذلك لم يمنع اندلاع موجات احتجاج من جهات متعددة: المزارعون، الباحثون، قادة الأقاليم، وحتى بعض أعضاء البرلمان الأوروبي، الذين رأوا في الميزانية محاولة للهيمنة المركزية من بروكسل وتجاوزاً لصلاحياتهم. أحد الدبلوماسيين قال: “عندما تتحدث المفوضية عن التماسك، فإنها تعني المركزية”.
كما أظهرت الأزمة الحالية مواجهة داخلية بين ريسو والمفوض الأوروبي للميزانية بيوتر سيرافين، الذي فوجئ بمضامين الخطة، في ظل ما وصفه البعض بأنه تحالف مباشر بين ريسو ورئيستها فون دير لاين دون الرجوع لزملائهم.
طموحات غير معلنة… ومستقبل غامض
بحسب مصادر مطلعة، فإن أداء ريسو في هذه المعركة قد يفتح لها الباب لتكون الأمين العام المقبل للمفوضية الأوروبية، وهو أعلى منصب بيروقراطي في الاتحاد.
لكن هذا المستقبل يعتمد على مدى قدرة الميزانية المقترحة على الصمود أمام المفاوضات الشرسة القادمة. فعلى ريسو أن تتعامل مع برلمانات وطنية، ومشرعين أوروبيين، ومصالح متضاربة – من باريس إلى بودابست.
وكما قال زميل سابق لها: “إذا كنت على الجانب الآخر من الطاولة، فالأفضل أن تكون مستعداً تماماً، وإلا ستُسحق”.
وبينما تمضي بروكسل نحو سنوات حاسمة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، يراقب الجميع كيف ستقود “راهبة الحرب” سفينة المال الأوروبي وسط بحر متلاطم من المصالح والنزاعات.

