في تطور مثير للجدل يعيد إلى الواجهة التساؤلات حول الشفافية والمساءلة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، كشفت وثيقة رسمية أن المفوضية الأوروبية اطلعت بالفعل على الرسائل النصية المتبادلة بين رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين والرئيس التنفيذي لشركة “فايزر” بشأن صفقة ضخمة لتوريد لقاحات كوفيد-19، لكنها سمحت لاحقًا باختفاء تلك الرسائل دون أرشفتها أو حفظها.
ووفقًا لما أكدته وثيقة أُرسلت هذا الأسبوع إلى صحيفة نيويورك تايمز، فقد تم الاطلاع على الرسائل في صيف عام 2021 من قبل ديوان فون دير لاين، إلا أن المفوضية رأت أن طبيعتها “لوجستية ومؤقتة” ولا ترقى إلى مستوى السجلات الرسمية التي يُلزم القانون بتوثيقها.
لا أرشفة – ولا هاتف
المثير في الأمر أن الهاتف الذي استخدمته فون دير لاين لتبادل الرسائل مع رئيس شركة فايزر، ألبرت بورلا، تم استبداله عدة مرات منذ ذلك الحين، دون أي عملية لنقل البيانات، ما أدى فعليًا إلى ضياع الرسائل بشكل دائم.
ويأتي هذا التطور في وقت تصاعدت فيه مطالبات الشفافية والمساءلة بشأن كيفية إبرام المفوضية لعقود بمليارات اليوروهات خلال جائحة كوفيد-19. وتُعدّ الصفقة التي جرت بين الاتحاد الأوروبي و”فايزر” واحدة من أكبر صفقات اللقاحات في العالم، حيث التزمت بروكسل بشراء مئات الملايين من الجرعات.
حكم قضائي.. بلا طعن
في مايو/أيار الماضي، قضت المحكمة العامة، وهي أدنى هيئات القضاء في الاتحاد الأوروبي، بأن المفوضية الأوروبية “أخفقت في أداء واجبها” حين رفضت تلبية طلبات حرية المعلومات المتعلقة بتلك الرسائل. وكان الحكم بمثابة صفعة قانونية لفون دير لاين، التي رفضت مرارًا الخوض في تفاصيل الاتصالات التي سبقت الصفقة.
لكن المفاجأة جاءت هذا الأسبوع مع تأكيد صحيفة بوليتيكو أن المفوضية قررت عدم استئناف الحكم، في خطوة يرى فيها البعض محاولة لتجنب مزيد من التدقيق القضائي والسياسي.
أزمة ثقة واحتجاجات في البرلمان
القضية أثارت موجة من الانتقادات داخل وخارج البرلمان الأوروبي، خاصة بين النشطاء المدافعين عن الشفافية ومجتمع الصحافة الاستقصائية، الذين وصفوا اختفاء الرسائل بـ”الفشل المؤسسي” في حفظ الوثائق ذات الصلة بالمال العام. كما يرى البعض أن هذه القضية تعكس خللًا عميقًا في معايير الحوكمة داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي مطلع يوليو/تموز، واجهت فون دير لاين اقتراحًا بسحب الثقة من منصبها، تقدم به النائب اليميني الروماني جورجي بيبيريا على خلفية هذه القضية. وعلى الرغم من فشل التصويت، إلا أن عدد الأصوات المؤيدة لحجب الثقة كشف عن استياء متزايد داخل البرلمان الأوروبي من تعامل المفوضية مع القضية.
جدل أخلاقي قبل سياسي
لا يُنظر إلى القضية باعتبارها مجرد جدل إداري، بل تعكس توتراً متزايداً بشأن الشفافية في إدارة الموارد العامة الأوروبية، خاصةً في ملفات ذات أبعاد صحية ومالية كبرى، مثل اللقاحات خلال جائحة عالمية.
وفي هذا السياق، يقول نشطاء الشفافية إن تجاهل الاحتفاظ بالرسائل النصية بين رئيسة المفوضية ومسؤول تنفيذي في شركة خاصة يُقوض الثقة في نزاهة آلية اتخاذ القرار، ويطرح تساؤلات حول كيفية التفاوض حول عقود كلفت دافعي الضرائب الأوروبيين عشرات المليارات من اليوروهات.
في انتظار مساءلة حقيقية
رغم فشل التصويت بسحب الثقة، إلا أن القضية لا تزال تلقي بظلالها على المشهد السياسي في بروكسل، ومن المتوقع أن تتجدد المطالبات بفتح تحقيق برلماني رسمي أو مراجعة تشريعية لآليات حفظ الوثائق في المفوضية.
في الوقت الحالي، يبقى سؤال واحد معلقًا: هل تختفي قضية “فايزر غيت” مثل الرسائل التي فجّرتها، أم تُصبح مفتاحًا لإصلاح شامل في مؤسسات الاتحاد الأوروبي؟

