تزايد الانتقادات المالية ضد الفاتيكان في ظل اتهامات جديدة بالتلاعب في المعاملات المصرفية

في الوقت الذي يحاول فيه البابا ليون الرابع عشر معالجة سمعة الكنيسة الكاثوليكية بعد عقود من الفضائح المالية، يواجه الفاتيكان مزاعم خطيرة تتعلق بالتلاعب بالتحويلات المصرفية وغسل الأموال. تأتي هذه الادعاءات في وقت حرج بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية التي تسعى إلى استعادة مصداقيتها وسط الأزمة المالية المتفاقمة.
المزاعم والتفاصيل الأولى
في 10 أغسطس 2025، انتشرت مزاعم تتعلق باستخدام الفاتيكان “مفتاح هيكلي لغسل الأموال” من خلال التلاعب غير القانوني بالتحويلات المصرفية عبر نظام “SWIFT” العالمي. هذه المعلومات قدمها ليبيرو ميلوني، المدقق المالي السابق في الفاتيكان، الذي كان قد تم إقالته في عام 2017 بعد اتهامه بالكشف عن مخالفات مالية. ووفقًا لميلوني، تمكنت وكالة الرواتب التابعة للفاتيكان (APSA) من تغيير أرقام الحسابات وأسماء المرسلين والمستلمين في المعاملات المصرفية بعد إجرائها، وهو ما سمح بتحويل الأموال إلى حسابات مجهولة، مما يتيح إمكانية غسل الأموال.
رد الفاتيكان على الاتهامات
على الرغم من هذه الادعاءات، فإن الفاتيكان قد نفى بشكل قاطع هذه المزاعم. في بيان رسمي، وصف المتحدث باسم الفاتيكان ماتيو بروني هذه الاتهامات بأنها “عارية تمامًا من الصحة”. وأكد أن وكالة APSA لم تقدم خدماتها للعملاء من القطاع الخاص كما تم الادعاء، مشيرًا إلى أن جميع الإجراءات المتعلقة بالتحويلات المالية كانت متوافقة مع القوانين المعمول بها. وأشار أيضًا إلى أن عمليات التدقيق التي أُجريت في الفترة من 2020 إلى 2024 لم تجد أي مخالفات.
الملابسات السياسية والمالية
تعكس هذه الاتهامات مزيدًا من التحديات التي يواجهها الفاتيكان في سياق محاولاته للإصلاح المالي تحت قيادة البابا ليون الرابع عشر. بعد سنوات من الفضائح المالية، بما في ذلك قضايا فساد معروفة مثل قضية بنك “IOR” في السبعينيات والثمانينيات، يسعى البابا الجديد إلى استعادة ثقة المانحين وتعزيز الشفافية المالية في الفاتيكان.
تزامنًا مع هذه الاتهامات، يواجه الفاتيكان أزمة مالية خطيرة، حيث تعاني المدينة من عجز كبير في الميزانية، ويشعر العديد من الكرادلة بالمخاوف من تزايد الانكماش المالي الذي يعكس تراجع التبرعات من الأفراد والجماعات، وهو ما يهدد قدرة الفاتيكان على دعم الأنشطة الخيرية والروحية.
الادعاءات المتعلقة بالفساد والإرث التاريخي
تتجلى قضية الفاتيكان المالية في التاريخ الطويل من الفضائح المرتبطة بمؤسساته المصرفية. ففي عام 1982، وجدت التحقيقات القضائية أن بنك “IOR” (معهد الأعمال الدينية) كان قد استخدم الأموال للتمويل غير القانوني، بما في ذلك دعم الحركات المناهضة للشيوعية في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية. وتوالت الفضائح المالية على مر العقود، مما جعل الفاتيكان في موقف دفاعي، حيث لم يُعترف رسميًا بارتكاب أي مخالفات، إلا أنه تم تحديد “تورط أخلاقي” في العديد من القضايا.
التأثير على سمعة الفاتيكان والبابا الجديد
تأتي هذه الاتهامات في وقت بالغ الحساسية بالنسبة للبابا ليون الرابع عشر، الذي يسعى إلى تنظيف سمعة الكنيسة الكاثوليكية في أعقاب فضائح مالية سابقة. في حين أن الفاتيكان قد أظهر بعض الإصلاحات في السنوات الأخيرة، فإن فضيحة غسل الأموال الأخيرة قد تقوض هذه الجهود وتثير تساؤلات حول مدى التزام الفاتيكان بالشفافية المالية.
وبالرغم من نفي الفاتيكان للمزاعم، فإنها تظل تحت مراقبة صارمة من المجتمع الدولي، خاصةً مع تزايد الدعوات من داخل الكنيسة وخارجها لإجراء إصلاحات مالية جذرية لضمان عدم تكرار مثل هذه القضايا.
الردود المتباينة من الداخل والخارج
في الداخل، يُنظر إلى ما يحدث في الفاتيكان على أنه نتيجة لجهود إصلاحية مستمرة كانت قد بدأت في عهد البابا فرانسيس، لكنَّ هذا النمط من الفساد المالي يعكس المقاومة المستمرة للإصلاحات من داخل مؤسسات الفاتيكان نفسها. وفيما يتعلق بالوضع الدولي، فإن هذه القضايا قد تُضعف صورة الفاتيكان بين المانحين الرئيسيين، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث يعزز فساد الكنيسة في المجال المالي الشكوك حول نزاهتها.
ويُظهر الوضع الحالي للفاتيكان حجم التحديات التي يواجهها في سياق محاولاته لإصلاح داخلي بعد عقود من الفضائح المالية. في الوقت الذي يسعى فيه البابا ليون الرابع عشر إلى تقوية سمعة الكنيسة والعودة إلى الإصلاحات التي بدأها سلفه، تبقى هذه الفضائح المالية، بما في ذلك المزاعم المتعلقة بغسل الأموال، تهديدًا كبيرًا للمصداقية التي تحاول الكنيسة استعادتها.



