أطلقت كوني هيديجارد، أول مفوضة للعمل المناخي في الاتحاد الأوروبي، تحذيرًا شديد اللهجة من أن أوروبا تقف على حافة انهيار بيئي قد تكون له تبعات كارثية على المجتمعات والاقتصاد والسياسة. وقالت هيديجارد إن التراجع في الالتزام بأجندة المناخ يشكل “خطأ استراتيجيًا فادحًا” في وقت تتسارع فيه الكوارث الطبيعية وتتصاعد قوة التيارات الشعبوية.
وتشير هيديجارد إلى أن تزايد الفيضانات والحرائق في أوروبا يعكس واقعًا خطيرًا. من فيضانات إسبانيا المدمرة العام الماضي إلى حرائق قبرص وجنوب فرنسا هذا الصيف، مرورًا بموجات الحر القياسية في الدول الإسكندنافية، باتت القارة تواجه كوارث متكررة تفقد المواطنين الثقة في قدرة الحكومات على الحماية والتخطيط.
وقالت: “عندما يفقد الناس منازلهم أو أحبّاءهم بسبب الظروف المناخية القاسية، فإنهم لا يعانون من الخسارة المادية فقط، بل من انهيار الثقة في صانعي القرار، وهذا ما يغذي الانقسام السياسي وصعود التطرف اليميني.”
وتقدّر الوكالة الأوروبية للبيئة أن الكوارث المناخية كلّفت القارة نحو نصف تريليون يورو خلال العقود الأربعة الماضية، وهو رقم يكشف حجم العبء الاقتصادي المتصاعد.
انتقادات لشركات الطاقة واللوبي الصناعي
لم تُخفِ هيديجارد استياءها من تراجع التزامات بعض الشركات الكبرى، وعلى رأسها شركة BP البريطانية التي كانت تسوّق نفسها قبل سنوات تحت شعار “ما وراء البترول”، قبل أن تعود إلى تكثيف استثماراتها في النفط والغاز وتقليص الإنفاق على الطاقة المتجددة.
وقالت بلهجة حادة: “إنهم يتراجعون عن تعهداتهم. عليهم أن يشعروا بالخجل.”
ويأتي هذا الهجوم في وقتٍ يتعرض فيه “الصفقة الخضراء الأوروبية” لضغوط من جماعات الضغط الصناعية وحكومات وطنية تسعى إلى تخفيف القواعد البيئية، خاصة بعد أن استغلّت أحزاب اليمين المتطرف موجة التضخم لانتقاد سياسات المناخ ووصمها بأنها “عبء إضافي” على المواطن.
رسالة إلى بروكسل: لا مجال للتردد
منذ إعادة انتخاب أورسولا فون دير لاين لرئاسة المفوضية الأوروبية، تراجعت الأولوية السياسية لأجندة المناخ تحت ضغط الملفات الأمنية والاقتصادية. لكن هيديجارد شددت على أن التخلي عن المسار البيئي الآن سيؤدي إلى نتائج خطيرة، معتبرة أن “المناخ والأمن مترابطان ارتباطًا وثيقًا، وأي تباطؤ سيغذي الشعبوية التي يدّعي القادة أنهم يحاربونها.”
ودعت رئيسة المفوضية إلى الصمود أمام الضغوط قائلة: “لقد صمدت حتى الآن، ويجب أن تواصل دون تراجع.”
التنافس مع الصين وخطر فقدان “صناعات المستقبل”
أكدت هيديجارد أن أوروبا لا تستطيع أن تظل متأخرة في سباق الطاقة النظيفة والتقنيات المناخية بينما تضخ الصين مليارات الدولارات في تطوير صناعات المستقبل. وقالت: “إذا ترددت أوروبا بينما الآخرين ينطلقون بسرعة، فإننا نخاطر بفقدان موقعنا الصناعي في القرن الحادي والعشرين.”
وكانت بروكسل قد وقّعت الشهر الماضي اتفاقًا مناخيًا مع بكين اعتُبر نجاحًا دبلوماسيًا، لكنه كشف أيضًا عن شدة التنافس بين الطرفين على السيطرة على سلاسل التوريد الحيوية للطاقة النظيفة.
الزراعة أداة للتغيير
أشارت هيديجارد إلى أن السياسة الزراعية المشتركة، التي تستهلك ثلث ميزانية الاتحاد الأوروبي، يمكن أن تتحول إلى محرك أساسي للتحول الأخضر. ودعت إلى إعادة توجيه الدعم الزراعي نحو ممارسات أكثر استدامة مع تخفيف القيود البيروقراطية التي تثقل كاهل صغار المزارعين.
وأضافت: “لدينا الأدوات، لكن الأمر يتطلب شجاعة سياسية. ليس هذا وقت المماطلة، بل وقت الإنجاز.”

