الحكومة الفرنسية على حافة الانهيار بعد دعوة بايرو لتصويت الثقة

دخلت الحكومة الفرنسية في أزمة سياسية حادة بعدما أعلن رئيس الوزراء فرانسوا بايرو أنه سيدعو البرلمان إلى تصويت على الثقة في حكومته في 8 سبتمبر/أيلول المقبل، في خطوة غير مسبوقة أثارت صدمة في الأوساط السياسية الفرنسية. وتأتي هذه المغامرة السياسية في وقت يحاول فيه بايرو تمرير خطة ضغط ميزانية ضخمة بقيمة 43.8 مليار يورو للعام المقبل، تهدف إلى خفض العجز وتفادي انزلاق فرنسا إلى أزمة مالية شبيهة بما شهدته اليونان قبل أكثر من عقد.
وقد كان من المتوقع أن تواجه حكومة الأقلية برئاسة بايرو تصويتًا على الثقة في وقت لاحق ضمن العملية التشريعية. لكن رئيس الوزراء قرر تسريع المواجهة بدعوته إلى التصويت قبل أسبوعين من استئناف البرلمان عمله، وقبل يومين فقط من الإضراب الوطني المقرر في 10 سبتمبر.
قال بايرو في مؤتمر صحفي مثير للجدل: “عندما يحترق المنزل أو تكون على وشك الغرق، عليك أن تُدرك الوضع. لن أدع بلدنا يغرق، لأن حريتنا على المحك”.
وبذلك، وضع بايرو نفسه وحكومته في مواجهة مباشرة مع برلمان منقسم ومعارضة شرسة، ما جعل المراقبين يعتبرون خطوته أقرب إلى المخاطرة المحسوبة بالانتحار السياسي.
إحدى المستشارات الحكومية لخّصت الوضع بقولها بعد المؤتمر:”الموت منتحرًا أفضل من المعاناة في عذاب”.
معارضة واسعة واشتراكيون غاضبون
فرص بقاء حكومة بايرو تبدو ضئيلة. فقد تعهد قادة حزبي فرنسا المتمردة (اليسار المتطرف) والتجمع الوطني (اليمين المتطرف)، بمن فيهم مارين لوبان، بالتصويت ضد الحكومة.
يبقى الأمل الوحيد لرئيس الوزراء في الحصول على دعم أو على الأقل امتناع حزب الاشتراكيين عن التصويت. غير أن زعيم الحزب أوليفييه فور استبعد هذا الاحتمال في مقابلة مع صحيفة لوموند قائلاً: “من الواضح أنه من غير المعقول أن يصوت الاشتراكيون لصالح رئيس الوزراء”.
ولا يزال الاشتراكيون غاضبين من بايرو بعد انهيار محادثات إصلاح نظام التقاعد في وقت سابق هذا العام، وهو ما يجعل من الصعب تصور دعمهم له الآن.
خطة تقشفية غير شعبية
كشف بايرو الشهر الماضي عن خطة إنفاق طموحة تهدف إلى خفض عجز ميزانية 2026 إلى 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وتشمل الخطة إجراءات قاسية، منها:
خفض الإنفاق العام بقيمة 43.8 مليار يورو.
إلغاء عطلتين رسميتين لتقليل تكاليف الإنتاج المفقود.
تعديلات على برامج الدعم الاجتماعي.
الحكومة تبرر هذه الإجراءات بأنها ضرورية لتجنب “انهيار اقتصادي على غرار ما حدث في اليونان”، حيث لوّح بعض المستشارين الحكوميين بإمكانية أن تُوضع فرنسا تحت إشراف صندوق النقد الدولي أو الترويكا الأوروبية إذا لم يتم ضبط المالية العامة.
لكن هذه الخطة أثارت موجة غضب شعبية وسياسية، حيث اعتبرت المعارضة أنها تضرب الطبقات المتوسطة والفقيرة، فيما وُصفت بأنها “خطة تقشف مفروضة من فوق” تهدد الحقوق الاجتماعية.
وبحسب تصريحات بايرو، فإن الرئيس إيمانويل ماكرون اطّلع على خطط خفض الميزانية ووقّع عليها الأسبوع الماضي. لكن اللافت أن الوزراء لم يُبلّغوا إلا قبل دقائق من إعلانها رسميًا، وهو ما أثار امتعاضًا داخل الحكومة نفسها.
هذا الدعم المشروط من الإليزيه لا يعني أن الرئيس سيخوض المعركة مع بايرو حتى النهاية، إذ يرى محللون أن ماكرون قد يفضّل التضحية برئيس الوزراء إذا أصبح بقاؤه عبئًا سياسيًا على الرئاسة.
خطر فراغ حكومي
في حال فشل بايرو في الحصول على الثقة، ستدخل فرنسا مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي. فقد تؤدي استقالة الحكومة إلى فراغ تنفيذي أو إلى مشاورات معقدة لتشكيل حكومة جديدة، وسط انقسامات حزبية عميقة وصعود قوى المعارضة اليمينية واليسارية.
ويرى محللون أن السيناريو الأقرب هو سقوط حكومة بايرو وتكليف شخصية أخرى بتشكيل حكومة توافقية مؤقتة، وهو ما قد يفتح الباب أمام أزمة سياسية ممتدة تُربك الوضع الاقتصادي والمالي أكثر.
وقد اختار فرانسوا بايرو، السياسي الوسطي المخضرم، أن يخوض معركته الأصعب عبر ربط بقاء حكومته بمصير خطته التقشفية. وبينما يرى أن “خطرًا مدروسًا قد يجنب البلاد خطرًا أشد”، فإن معظم المراقبين يرون أنه يسرع بنفسه نحو النهاية.
والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة: فإذا فشل في إقناع البرلمان، ستنهار حكومته ويُكتب فصل جديد من الاضطراب السياسي الفرنسي في قلب أوروبا، حيث تتقاطع أزمات الديون مع صعود المعارضة الشعبوية، وتبدو ثقة المواطنين في المؤسسات السياسية على المحك أكثر من أي وقت مضى.



