الجيل السوري في ألمانيا: رفض العودة إلى الوطن وتمسك بجذور جديدة

مع انهيار نظام بشار الأسد وبداية الحديث عن إعادة الإعمار في سوريا، طرحت الحكومة الألمانية مبادرة لإغراء اللاجئين السوريين بالعودة الطوعية، مقابل مساعدات مالية تصل إلى 1000 يورو بالإضافة إلى تكاليف السفر. لكن، وبعد عقد من “أزمة اللاجئين” الشهيرة عام 2015، تُظهر الأرقام أن أقل من 2000 سوري فقط قبلوا العرض، في وقت يفضّل فيه جيل جديد من مليون لاجئ غرس جذور دائمة في ألمانيا على حساب الارتباط ببلدهم الأم.
هذا التناقض يفتح نقاشًا واسعًا في برلين: هل انتهت الحاجة إلى اللجوء السوري بعد سقوط النظام في دمشق؟ أم أن السوريين الذين أعادوا بناء حياتهم في ألمانيا باتوا جزءًا أصيلاً من نسيجها الاجتماعي والاقتصادي؟
ذكريات 2015: من النشوة إلى الواقع
يحتفل الألمان والسوريون على حد سواء بالذكرى العاشرة لعام 2015، حين استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ، معظمهم من سوريا، وسط صور إنسانية استثنائية. آنذاك، كانت المستشارة أنجيلا ميركل رمز سياسة “الباب المفتوح”، وشعارها الشهير “Wir schaffen das” (سنتدبر أمرنا) لخص روح تلك المرحلة.
يتذكر أحمد الحميدي، الذي فر من حلب بعد قصف منزله، وصوله إلى مدينة فريدريشهافن قائلاً: “كانت لحظة نشوة، حين فتحت ألمانيا قلبها على مصراعيه”. لكن تلك النشوة تراجعت لاحقًا أمام تحديات الاندماج، وصعود اليمين المتطرف، والجدل السياسي حول الهجرة.
مبادرة العودة: فشل على الأرض
منذ يناير 2025، أصبح بإمكان السوريين المطالبين باللجوء في ألمانيا التقدم للحصول على تكاليف السفر و”مساعدة تأسيس” بقيمة 1000 يورو إذا عادوا طوعًا إلى سوريا. ومع ذلك، لم يتجاوز عدد المتقدمين 1337 شخصًا، إضافة إلى 227 حالة تكفلت بها حكومات الولايات.
هذا الرقم الهزيل يعكس فجوة بين تصور الحكومة الألمانية بخصوص “انتهاء الحاجة إلى اللجوء”، وواقع اللاجئين الذين أسسوا حياة جديدة يصعب التنازل عنها. يقول الحميدي: “من يعيش هنا، ويدفع الضرائب هنا، ويربي أبناءه هنا، ليس ضيفًا مؤقتًا”.
حياة جديدة وجذور راسخة
الكثير من السوريين الذين قدموا عام 2015 أصبحوا اليوم مواطنين ألمان. ووفقًا لمكتب الإحصاء الألماني، حصل أكثر من 80 ألف سوري على الجنسية عام 2024، وهو رقم يفوق أي جنسية أخرى.
هذا التحول يعكس ليس فقط الرغبة في الاستقرار، بل أيضًا اندماجًا فعليًا في المجتمع. السوريون لعبوا دورًا مهمًا في سد النقص في سوق العمل بألمانيا، خصوصًا في القطاعات التي تعاني من شيخوخة القوى العاملة.
تقول جالا الجزائري، اللاجئة السابقة والموظفة في مجلس اللاجئين ببوتسدام: “السوريون تعلموا خلال الحرب أن ينظموا أنفسهم ويوفروا الخدمات لأنفسهم. هذه التجربة حملوها معهم إلى أوروبا وساهمت في نجاح اندماجهم”.
تحديات الاندماج: بين التوقعات والواقع
لكن قصة الاندماج لم تكن بلا عقبات. فـ”ثقافة الترحيب” التي سادت في 2015 سرعان ما تحولت إلى ثقافة مشروطة، حيث توقع كثير من الألمان من السوريين أن يكونوا “ممتنين وصامتين سياسيًا”، وأن يردوا الجميل عبر الضرائب والالتزام الاجتماعي.
من جانب آخر، برزت صعوبات لغوية وتعليمية. كثير من الوافدين الجدد كانوا يعانون من ضعف في القراءة والكتابة، ما زاد من صعوبة تعلم الألمانية. تقول الجزائري: “نظمنا دورات للأمهات ومقدمي الرعاية الذين لم يكن لديهم وقت كافٍ لحضور دروس اللغة الرسمية”.
هذه التحديات غذّت خطاب اليمين المتطرف، حيث استغل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) المخاوف الشعبية لتحقيق مكاسب انتخابية في 2017 وما بعدها، محذرًا من “المجتمعات الإسلامية الموازية”.
السياسة الألمانية: بين الضغط والترحيب
تواجه برلين اليوم ازدواجية واضحة: من جهة، حاجة اقتصادية ملحّة للمهاجرين لسد نقص العمالة في بلد يشيخ بسرعة. ومن جهة أخرى، ضغوط سياسية من الأحزاب اليمينية لإعادة اللاجئين أو تقليص أعدادهم.
تجري نقاشات حول ترحيل السوريين المرتبطين بالجرائم أو “ضعف الاندماج”، لكن هذه النقاشات تبقى حساسة للغاية، إذ تخاطر بإعادة أشخاص إلى بلد ما زال غير مستقر سياسيًا رغم سقوط النظام.
السوريون كجسر بين عالمين
يرى الحميدي، الذي حصل على الجنسية الألمانية وترشح عن حزب الخضر، أن الجيل السوري الجديد ليس “بين عالمين” بل “الجسر الذي يربط بينهما”. أبناؤه وُلدوا ونشأوا في ألمانيا، ولا يعرفون سوريا إلا عبر قصصه.
في المقابل، يبقى ارتباط الجالية السورية بوطنها قويًا. فالكثيرون يعبرون عن رغبتهم في المساهمة مستقبلًا في إعادة بناء سوريا، لكنهم لا يرون العودة الآن خيارًا واقعيًا، لا سيما مع هشاشة الوضع الأمني والاقتصادي هناك.



