Site icon أوروبا بالعربي

الهجمات الصاروخية الأوكرانية على النفط الروسي: أوراق ضغط جديدة في محادثات السلام

الحرب الروسية الأوكرانية

في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإحياء محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا، جاءت سلسلة من الهجمات الصاروخية الأوكرانية على البنية التحتية النفطية الروسية لتذكّر موسكو والعالم بأن كييف لا تزال قادرة على إيلام خصمها الاستراتيجي.

فالضربات، التي استهدفت موانئ ومصافي ومنشآت غاز ونفط في عمق الأراضي الروسية، لم تكن مجرد استعراض عسكري بل رسالة سياسية: أوكرانيا تمتلك أوراق ضغط اقتصادية وعسكرية يمكن أن تفرض حضورها على طاولة المفاوضات.

وكشفت أوكرانيا عن صواريخ محلية الصنع بعيدة المدى، مثل “فلامنغو” بمدى يصل إلى 3000 كيلومتر، و”نبتون” بمدى 300 كيلومتر. إدخال هذه الأسلحة في المعركة منح كييف قدرة على ضرب أهداف حساسة لم تكن في متناولها من قبل.

في يوليو الماضي وحده، أدت الهجمات إلى تعطيل 17% من طاقة التكرير الروسية، أي ما يعادل 1.1 مليون برميل يوميًا، وفق تقديرات غربية. هذا التأثير لم يقتصر على الداخل الروسي، بل امتد إلى أوروبا الوسطى، حيث تعطلت إمدادات النفط المتدفقة عبر خط أنابيب دروجبا نحو المجر وسلوفاكيا، ما أثار شكاوى مباشرة من قادة البلدين إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

الورقة الاقتصادية: نفوذ أوكرانيا في الأسواق

يرى محللون أن الهجمات الأخيرة تمنح أوكرانيا قدرة غير تقليدية على التأثير في الاقتصاد الروسي وأسواق الطاقة العالمية.

يقول تيموثي آش من مركز “تشاتام هاوس”: “أوكرانيا تظهر أنها لا تزال تملك نفوذًا تستخدمه في أي مفاوضات، فهي قادرة على الضرب في عمق روسيا وإحداث أثر اقتصادي مباشر.”

لكن المحللين يشيرون أيضًا إلى أن هذا النفوذ سيكون فاعلًا فقط إذا تمكنت كييف من تهديد صادرات النفط الخام الروسية، التي تمثل ربع إيرادات الميزانية الروسية ومصدرًا رئيسيًا لتمويل الحرب. حتى الآن، ركّزت الهجمات على مصافي التكرير وإمدادات الوقود المحلية، وهو ما أضر بالأسواق الداخلية الروسية أكثر من الأسواق العالمية.

أزمة وقود داخل روسيا

تداعيات الضربات كانت واضحة داخل روسيا نفسها. ففي الأسابيع الأخيرة:

ارتفعت أسعار الوقود بالجملة بنسبة 49%.

ظهرت طوابير طويلة أمام محطات الوقود في بعض المناطق.

اضطرت الحكومة الروسية إلى فرض حظر مؤقت على صادرات الوقود حتى أكتوبر على الأقل.

صحيفة كوميرسانت الاقتصادية الروسية حذّرت من أن البلاد “على شفا أزمة وقود”، مع انخفاض الإنتاج بنسبة 10% منذ يناير. هذا التراجع يهدد ليس فقط الحياة اليومية للمواطنين، بل أيضًا قدرة الكرملين على الاستمرار في تقديم رواتب مرتفعة للجنود كوسيلة لتحفيز القتال في الجبهات.

واشنطن بين التوازن والدعم العسكري

تسببت الضربات أيضًا في إحراج سياسي للولايات المتحدة. ففي الوقت الذي يواصل فيه الرئيس ترامب الضغط من أجل التوصل إلى تسوية سياسية، تستمر واشنطن في بيع صواريخ بعيدة المدى لأوكرانيا عبر وسطاء أوروبيين. تقارير أشارت إلى أن نحو 3350 صاروخًا مطورًا ستكون متاحة لكييف خلال أسابيع.

هذا التناقض يخلق حالة من الغموض: واشنطن ترغب في وقف الحرب، لكنها في الوقت نفسه تمنح أوكرانيا أدوات لتعزيز موقفها التفاوضي. أحد مستشاري ترامب أقرّ بأن “أي هجوم يؤثر على أسعار الطاقة العالمية لن يكون محل ترحيب في البيت الأبيض”، لكنه اعترف أيضًا بأن أوكرانيا بحاجة إلى إظهار أنها ليست في موقع الخاسر.

وفي أوروبا، جاءت ردود الفعل متناقضة. فقد أدان فيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري، الهجمات على خط أنابيب دروجبا ووصفها بأنها “خطوة غير ودية على الإطلاق”. ونشر على “فيسبوك” صورة لرسالة من ترامب جاء فيها: “أنا غاضب جدًا مما حدث.”

لكن حكومات أوروبية أخرى فضلت الصمت أو الاكتفاء بالتعبير عن “القلق”، إدراكًا منها أن هذه الهجمات قد تمنح كييف أداة ضغط إضافية على موسكو، وربما تعزز فرص التوصل إلى هدنة أكثر توازنًا.

الكرملين تحت ضغط مزدوج

تقرير معهد دراسة الحرب أوضح أن فشل روسيا في معالجة أزمة الوقود يضعف خطابها الرسمي بأنها قادرة على تحمّل العقوبات الغربية. الاعتماد الكبير على صادرات النفط والغاز – التي تمول 25% من ميزانية الدولة – يجعل الضربات الأوكرانية تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله.

إضافة إلى ذلك، فإن صعوبة استيراد المعدات بسبب العقوبات الدولية تعني أن إصلاح المصافي المتضررة قد يستغرق أشهرًا طويلة، ما يضاعف الضغط على الكرملين في الداخل.

وبالنسبة لأوكرانيا، لا تقتصر أهمية هذه الضربات على الأثر الاقتصادي، بل تحمل أيضًا رسالة سياسية ورمزية. فهي تؤكد للرأي العام المحلي والدولي أن كييف ما زالت قادرة على المبادرة وأنها ليست في موقع الدفاع فقط.

كما أن نجاحها في تطوير صواريخ محلية الصنع بمدى يصل إلى 3000 كيلومتر يعزز صورة أوكرانيا كقوة عسكرية ناشئة، قادرة على كسر احتكار روسيا للقدرات البعيدة المدى.

Exit mobile version