تستعد المفوضية الأوروبية لعرض نص اتفاقيتين تجاريتين مع كتلة ميركوسور في أميركا الجنوبية ومع المكسيك الأسبوع المقبل، في خطوة تمثل جزءًا من مساعي الاتحاد الأوروبي لتنويع أسواقه وتوسيع صادراته في ظل التوترات التجارية المتصاعدة مع الصين والولايات المتحدة.
وبحسب ستة مصادر مطلعة على خطط المفوضية تحدثوا لصحيفة بوليتيكو، فإن النص النهائي لاتفاقية ميركوسور مدرج على جدول أعمال اجتماع المفوضين الأوروبيين يوم الأربعاء المقبل لاعتماده، ما لم تحدث تغييرات في اللحظة الأخيرة. كما سيُطرح في الاجتماع نفسه نص الاتفاقية المحدّثة مع المكسيك، بما يسمح بتمرير الاتفاقيتين كحزمة متكاملة موجهة لأميركا اللاتينية.
معالم الاتفاق
تشمل اتفاقية ميركوسور دول الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي وبوليفيا، وتعد إنجازًا مهمًا لأنها ستفتح سوقًا ضخمة تضم أكثر من 280 مليون نسمة أمام الصادرات الأوروبية. أما الاتفاقية مع المكسيك، فهي نسخة محدّثة لاتفاق قائم، تهدف إلى تعزيز النفاذ إلى الأسواق وتبسيط القواعد التجارية بين الطرفين.
وبمجرد اعتماد النصوص من قبل المفوضية، ستُحال الاتفاقيتان إلى دول الاتحاد الأوروبي للموافقة الرسمية. ومن المقرر تقديمهما كـ”اتفاقيتين خاصتين بالاتحاد الأوروبي فقط”، ما يعني إمكانية المصادقة عليهما بأغلبية مؤهلة في مجلس الاتحاد الأوروبي وبأغلبية في البرلمان الأوروبي، من دون الحاجة إلى المرور عبر البرلمانات الوطنية، وهو ما يُتوقع أن يسرّع العملية بشكل ملحوظ.
ورغم الطموحات الأوروبية، فإن الاتفاق مع ميركوسور مرشح لمواجهة معارضة سياسية واسعة، ولا سيما في فرنسا، التي تخشى من تداعياته على قطاعها الزراعي. فالاتفاق قد يؤدي إلى تدفق واردات كبيرة من لحوم الأبقار والدواجن القادمة من أميركا الجنوبية، وهو ما ينظر إليه المزارعون الفرنسيون على أنه تهديد مباشر لدخلهم واستقرارهم.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد طالب سابقًا بفتح مفاوضات حول بروتوكول إضافي يرافق اتفاقية ميركوسور، يتضمن ضمانات واضحة للمزارعين الفرنسيين والأوروبيين.
خلاف أوروبي–أوروبي
قضية ميركوسور كانت ضمن أبرز ملفات القمة الفرنسية–الألمانية في تولون يومي الخميس والجمعة الماضيين. ففي حين أبدى الرئيس ماكرون تحفظاته وطالب بمزيد من الضمانات، كان المستشار الألماني فريدريش ميرز من أبرز الداعمين للمصادقة السريعة على الاتفاقية، معتبرًا أنها تمثل فرصة استراتيجية لتوسيع نفوذ الاتحاد الأوروبي التجاري في أميركا اللاتينية.
هذا الانقسام يعكس التوازن الدقيق الذي تحاول بروكسل تحقيقه بين المصالح الاقتصادية المتمثلة في تعزيز الصادرات، وبين الاعتبارات السياسية والاجتماعية المتعلقة بحماية المزارعين الأوروبيين.
وتأتي هذه التحركات في ظل علاقات تجارية مضطربة مع كل من الصين والولايات المتحدة. فقد أجبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشهر الماضي الاتحاد الأوروبي على قبول صفقة تجارية غير متوازنة لصالح واشنطن، ما كشف بحدة هشاشة الموقف التفاوضي الأوروبي وأظهر الحاجة إلى تنويع الشركاء التجاريين.
في هذا السياق، ترى بروكسل أن توطيد العلاقات الاقتصادية مع أميركا اللاتينية يمثل خيارًا استراتيجيًا لتقليل الاعتماد على شركاء محددين، وضمان استقرار أكبر في تدفقات الصادرات الأوروبية.
وحتى الآن، امتنعت المفوضية الأوروبية عن تقديم تفاصيل إضافية بشأن خططها المقبلة، مكتفية بالقول عبر متحدث رسمي إنه “لا تعليق في هذه المرحلة”. لكن من الواضح أن الخطوة المنتظرة الأسبوع المقبل ستفتح نقاشًا سياسيًا محتدمًا داخل العواصم الأوروبية، خصوصًا باريس، بين مؤيد يرى في الاتفاق فرصة اقتصادية كبيرة، ومعارض يخشى انعكاساته الاجتماعية على المزارعين.

