دخلت حركة الوطنيين من أجل أوروبا، التي تضم أبرز أحزاب اليمين المتطرف في القارة بقيادة شخصيات مثل مارين لوبان في فرنسا وفيكتور أوربان في المجر، في مواجهة قانونية مفتوحة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي بعد قرار البرلمان الأوروبي تعليق وصولها إلى ملايين اليوروهات من التمويل العام بسبب مزاعم تتعلق بسوء الإنفاق.
ففي خطوة اعتبرها قادة الحركة “نصرًا أولًا”، ألغت محكمة العدل الأوروبية هذا الأسبوع غرامة قدرها 47 ألف يورو فرضتها هيئة مراقبة الأحزاب الأوروبية (APPF) على حزب الوطنيين، بعد اتهامه بتقديم بيانات كاذبة بشأن أحد أعضائه.
هذا القرار يفتح الباب أمام الحزب لمحاولة استعادة جزء من نحو 4 ملايين يورو من التمويل الذي حُرم منه لعام 2023، وهو ما شكّل ضربة قاسية لميزانيته في خضم التحضيرات لانتخابات البرلمان الأوروبي 2024.
اتهامات بالتحيز
الوطنيون لم يكتفوا بالقضية الأولى، بل رفعوا دعوى ثانية في يوليو الماضي ضد البرلمان الأوروبي، متهمين إياه بالتحيز وانتهاك مبدأ المساواة في المعاملة.
القضية ترتبط بحملة انتخابية في جمهورية التشيك، قال البرلمان إن الحزب موّلها بأموال الاتحاد الأوروبي في مخالفة للقواعد، وطالبه بإعادة 228 ألف يورو. لكن الوطنيين يؤكدون أن حملات مشابهة نفذتها أحزاب أوروبية أخرى تم قبولها ولم تُعتبر مخالفة، ما يكشف – بحسبهم – عن معايير مزدوجة واستهداف سياسي.
ويشيرون أيضًا إلى أن المكتب الذي اتخذ القرار يتكون غالبًا من نواب من الوسط والليبراليين واليسار، بينما لم يحضر أي نائب من أقصى اليمين للدفاع عن القضية، فضلًا عن حذف أجزاء من رسالتهم الدفاعية في النسخة التي وصلت إلى أعضاء المكتب.
سياق سياسي مشحون
يزعم الوطنيون أن هذه الإجراءات المالية ليست سوى امتداد لـ”الحاجز الصحي” الذي فرضه التيار الرئيسي في البرلمان الأوروبي منذ انتخابات 2024، والذي يقوم على عزل أحزاب أقصى اليمين واليسار عن مواقع السلطة والتأثير.
فرغم أن الوطنيين أصبحوا ثالث أكبر مجموعة في البرلمان الأوروبي، فإنهم يشكون باستمرار من التهميش ومنعهم من المناصب الرئيسية في اللجان والهيئات. ويعتبرون أن حرمانهم من التمويل العام “جزء من خطة أوسع لتقييد نفوذهم”، بينما يؤكد الاتحاد الأوروبي أن الهدف هو حماية نزاهة العملية الديمقراطية ومنع إساءة استخدام الأموال.
قضايا إضافية في الأفق
التوتر مرشح للتصاعد. ففي مطلع سبتمبر، أوصت لجنة الرقابة على الميزانية في البرلمان بالسعي لاسترداد 4.3 مليون يورو إضافية من مجموعة الوطنيين، بدعوى تورطها في سوء إنفاق سابق مرتبط بجماعة “الهوية والديمقراطية” اليمينية المتطرفة، التي تم حلها عام 2024 وانضم كثير من أعضائها إلى الوطنيين.
مسؤول في المجموعة قال لصحيفة بوليتيكو: “سنخوض غمار المحاكمة إذا لزم الأمر. لدينا محامون أكفاء، ونحن واثقون من موقفنا”.
تداعيات على المشهد الأوروبي
القضية لا تقتصر على نزاع مالي، بل تمثل معركة سياسية وقانونية حول حدود مشاركة اليمين المتطرف في مؤسسات الاتحاد الأوروبي. فإذا تمكن الوطنيون من انتزاع أحكام لصالحهم، فقد يفتح ذلك الباب أمامهم لاستعادة موارد ضخمة وتوسيع نفوذهم داخل البرلمان.
أما إذا خسروا، فسيواجهون ضربة سياسية ومالية تعمّق عزلتهم داخل بروكسل.
وبمعركتهم القضائية ضد البرلمان الأوروبي وهيئة الرقابة، يحاول الوطنيون قلب الطاولة على ما يرونه “استهدافًا سياسيًا”. وبينما أحرزوا أول انتصار صغير، فإن النزاع ما زال في بدايته، وقد يتحول إلى معركة فاصلة تحدد مستقبل علاقتهم بمؤسسات الاتحاد الأوروبي، بل وربما تضع قواعد جديدة للتعامل مع القوى الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا.

