لماذا يراهن ماكرون على ليكورنو لإنقاذ فرنسا من الهاوية؟

في خطوة يصفها مراقبون بأنها “الفرصة الأخيرة”، عيّن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيباستيان ليكورنو رئيسًا للوزراء، ليصبح خامس رئيس حكومة في أقل من عامين، وسط أزمة سياسية واقتصادية خانقة تهدد بانزلاق فرنسا نحو أزمة ديون خطيرة. فهل يستطيع ليكورنو، أحد أقرب المقرّبين من ماكرون، إنقاذ البلاد من حافة الهاوية؟
ليكورنو، البالغ من العمر 39 عامًا، ليس غريبًا على ماكرون. يوصف بأنه “الشخص الذي يشرب معه الويسكي في الثالثة صباحًا” ويمضي معه العطلات في حصن بريجانسون الساحلي. ويفسر هذا القرب الشخصي والسياسي رهان ماكرون عليه في لحظة حرجة، حيث يرى فيه الرجل القادر على ما لم يستطع أسلافه فعله: إيجاد أرضية وسط مع برلمان منقسم بشدة.
وقد اعترف ماكرون نفسه بأن المهمة “غير مسبوقة”، لكنه يعتقد أن ليكورنو يمتلك أدوات خاصة، اكتسبها من خلال نجاحاته في ملفات حساسة، مثل زيادة ميزانية الدفاع عام 2023 وحلّ أزمة احتجاجات “السترات الصفراء”.
مهارات تفاوضية مجرّبة
كرئيس سابق لوزارة القوات المسلحة، تمكن ليكورنو من تمرير خطة تسليح طويلة الأمد زادت الإنفاق العسكري، جامعًا تأييدًا من أكثر من 400 نائب رغم الانقسام العميق في الجمعية الوطنية. ويقول حلفاؤه إن ذلك لم يكن بالأمر السهل، بل ثمرة مناورة سياسية عالية المستوى.
كما لعب دورًا بارزًا في تهدئة احتجاجات “السترات الصفراء”، حين نظم مناظرات مباشرة بين ماكرون وممثلين محليين في نورماندي، ما فتح الطريق لجولات حوارية ساعدت في إنهاء واحدة من أعقد الأزمات الشعبية في عهد الرئيس.
هذه الخبرات تجعل ماكرون مقتنعًا بأن ليكورنو هو “الوسيط الماهر” القادر على تفكيك الألغام السياسية في الملفات المقبلة، وعلى رأسها ميزانية التقشف.
معركة الميزانية: اختبار البقاء
الامتحان الأول لليكورنو سيكون تمرير عشرات المليارات من اليورو في تخفيضات الميزانية لتفادي أزمة ديون تهدد ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي.
لكن العقبة تكمن في المعارضة البرلمانية. فالاشتراكيون يشترطون تعليق إصلاح التقاعد المثير للجدل، وهو خط أحمر بالنسبة لماكرون، ويطالبون بفرض “ضريبة زوكمان” على الأثرياء، بينما يرفضها الوسط واليمين باعتبارها طاردة لرأس المال.
قال مسؤول اشتراكي: “إذا رفض ضريبة زوكمان لكنه رفع الحد الأدنى للأجور، فسننظر في الأمر”. هذا يعني أن ليكورنو سيضطر لانتزاع تنازلات مؤلمة من رئيسه نفسه، وهو ما قد يضع العلاقة الخاصة بينهما على المحك.
وميزة ليكورنو تكمن في كونه محافظًا سابقًا، ما يمنحه قنوات اتصال جيدة مع حزب “الجمهوريين” اليميني، وفي الوقت نفسه اكتسب احترام قوى يسارية بسبب أسلوبه في إدارة ملفات الدفاع وإعادة التسلح بعد حرب أوكرانيا. هذه القدرة على التحدث مع الضفتين تجعل منه وسيطًا محتملاً قادرًا على مد الجسور بين معسكرات متناحرة.
لكن الخطر يكمن في أن حاجته إلى إبرام الصفقات قد تدفع المعارضة إلى رفع سقف مطالبها باستمرار، مما يضعه في مأزق تفاوضي يصعب الخروج منه دون خسائر سياسية.
البداية المتعثرة
رغم الثقة التي منحه إياها ماكرون، فإن بداية ليكورنو لم تخلُ من العقبات. فقد أعلن زعيم الحزب الاشتراكي أوليفييه فوري أن حزبه لن ينضم إلى حكومته، مهددًا بإسقاطها إذا لم يتغير شيء جوهري. هذا يعني أن أي دعم من اليسار سيكون مشروطًا بثمن سياسي مرتفع.
في المقابل، يسعى المحافظون إلى التأكد من استمرار نفوذهم داخل الحكومة، ما يزيد من صعوبة مهمة التوازن التي تواجه رئيس الوزراء الجديد.
وتعيين ليكورنو ليس مجرد خطوة سياسية بل رهان شخصي لماكرون. فهو يرسل هذه المرة رئيسًا للوزراء ليس “أعزل” كما كان الحال مع فرانسوا بايرو أو ميشيل بارنييه، بل شخصية قادرة على المناورة والتفاوض.
إلا أن ماكرون قد يجد نفسه مضطرًا للتراجع عن بعض ثوابته، بما في ذلك تخفيف خطط التقشف أو إعادة النظر في إصلاحات حساسة، إذا أراد أن يمنح ليكورنو فرصة حقيقية للنجاح.



