اليسار الإيطالي في البرلمان الأوروبي: بين “هوس الداخل” والبحث عن عودة إلى الوطن

في مقاهي ومطاعم الحي الأوروبي ببروكسل، يتداول أعضاء البرلمان الأوروبي من الحزب الديمقراطي الإيطالي خططًا لا تخلو من الطابع المسرحي: العودة إلى “البلد الجميل”.
وبينما بقيت أمامهم أربع سنوات كاملة من ولايتهم الأوروبية، فإن هوسهم بالسياسة المحلية والانتخابات الإقليمية المقبلة دفعهم إلى الانفصال التدريجي عن أروقة الاتحاد الأوروبي، في مشهد وصفته الصحافة الإيطالية بـ”مونتي كريستو” نسبةً إلى بطل ألكسندر دوما الذي أمضى سنوات في التخطيط لهروبه من السجن.
تراجع التأثير في بروكسل
رغم أن الحزب الديمقراطي يشكل أكبر كتلة وطنية داخل مجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين في البرلمان الأوروبي، إلا أن تأثيره بات أقل بكثير من حجمه العددي. وفود أصغر، مثل الألماني والإسباني، يتفوقون عليه بفضل الانضباط الداخلي والخبرة التقنية في التعامل مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
نائب ديمقراطي إيطالي تحدث لصحيفة بوليتيكو قائلاً: “الألمان والإسبان أقل عددًا، لكنهم أكثر أهمية”. ويرى مراقبون أن ضعف الانسجام الداخلي وتعدد الأجنحة الصغيرة داخل الوفد الإيطالي يجعل تأثيره محدودًا، خاصة في معارك القيادة داخل الكتلة الاشتراكية.
الأمر يزداد تعقيدًا مع إيقاف نائبين إيطاليين عن العمل في بروكسل، ما يعزز الانطباع بأن الوفد يعيش حالة من التراجع.
انتخابات 2027 اختبار حاسم
تتجه الأنظار إلى التعديل الوزاري النصفي في 2027، حين يُنتخب زعيم جديد لمجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين خلفًا للإسبانية إيراتشي غارسيا بيريز.
ورغم أن اللحظة تبدو فرصة سانحة لليسار الإيطالي للعودة إلى الصدارة، فإن الواقع يشير إلى أن قادته أكثر اهتمامًا بالسياسة المحلية والانتخابات الوطنية المقبلة.
وعلق الصحفي الإيطالي ديفيد أليجرانتي قائلًا: “يبدو أن أعضاء البرلمان الأوروبي الجدد مُعارون للبرلمان الأوروبي… احتاجوا إلى عام كامل للتدريب، لكنهم يعودون الآن للمشاركة في الانتخابات الإقليمية وربما الوطنية في 2027”.
وجوه بارزة تبحث عن مقاعد محلية
الهروب من بروكسل لم يعد تكهنات. فقد أعلن ماتيو ريتشي، النائب الديمقراطي الأول الذي غادر البرلمان الأوروبي، ترشحه لانتخابات إقليمية في ماركي يومي 28 و29 سبتمبر.
كما أكد أنطونيو ديكارو، رئيس بلدية باري السابق ورئيس لجنة البيئة في البرلمان الأوروبي، أنه سيترشح لرئاسة منطقة بوليا مسقط رأسه.
في حال فاز ديكارو، ستتولى زميلته أناليزا كورادو، المقربة من زعيمة الحزب إيلي شلاين، رئاسة لجنة البيئة، وهي من أبرز اللجان في البرلمان الأوروبي.
الشائعات تتحدث أيضًا عن عودة محتملة لسياسيين بارزين مثل داريو نارديلا، رئيس بلدية فلورنسا السابق، وستيفانو بوناتشيني، حاكم إميليا رومانيا السابق، إلى المشهد الوطني مع الانتخابات العامة المقررة في 2027.
وليس الديمقراطيون وحدهم من يتطلعون للعودة. فقد أعلن باسكوالي تريديكو، نائب البرلمان الأوروبي من حركة “النجوم الخمس”، نيته خوض انتخابات رئاسة منطقة كالابريا في أكتوبر المقبل.
انتقادات داخلية
يؤكد النقاد أن معظم النواب الديمقراطيين يقضون وقتًا أطول في دوائرهم المحلية مقارنة بالعمل في بروكسل، وأن قلة قليلة فقط تملك شققًا دائمة في العاصمة الأوروبية. أحد النواب قال ساخرًا: “قليل منهم يتحدث الإنجليزية ويهتم بالقضايا الأوروبية، وهذا ينعكس سلبًا على الوفد بأكمله”.
عضو اشتراكي أوروبي آخر وصف الوفد الديمقراطي الإيطالي بأنه “ثلاث أو أربع مجموعات صغيرة”، بعضها على خلاف مع زعيمة الحزب إيلي شلاين، ما يضعف وحدة القرار داخل الكتلة.
ورغم كل ذلك، يشير أنصار الحزب الديمقراطي إلى بعض النجاحات التي تثبت بقاء نفوذ إيطاليا داخل الكتلة الاشتراكية. فقد حصلت النائبة كاميلا لوريتي على منصب نائبة رئيس الاشتراكيين والديمقراطيين، بينما فازت فابريزيا بانزيتي بمنصب الأمين العام، وهو موقع تنظيمي بالغ الأهمية.
وعليه فإن تراجع حضور اليسار الإيطالي في بروكسل يعكس أزمة هوية مزدوجة: بين الانقسام الداخلي داخل الحزب الديمقراطي، وبين جاذبية العودة إلى الساحة الوطنية التي تستهلك قادته.
ومع اقتراب الانتخابات الإقليمية والخطوط العريضة لمعركة 2027 الوطنية، يبدو أن وفد بروكسل لم يعد أكثر من محطة مؤقتة في مسيرة سياسية يتطلع أصحابها إلى استعادة بريقهم في “البلد الجميل”.



