استقالة مفاجئة للحكومة الفرنسية تُدخل ماكرون في دوامة سياسية واقتصادية

في تطور دراماتيكي هزّ باريس والأسواق الأوروبية، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو وحكومته استقالتهم صباح الاثنين، بعد أقل من 12 ساعة من تشكيل الإدارة الجديدة.
ويعمق القرار، الذي وصفته وسائل الإعلام الفرنسية بـ“الزلزال السياسي”، أزمة الحكم التي يعيشها الرئيس إيمانويل ماكرون، ويهدد بانهيار ما تبقى من سلطته وسط غضب شعبي ومعارضة متصاعدة.
وقد جاءت استقالة ليكورنو، البالغ من العمر 39 عاماً، بعد شهر واحد فقط من توليه المنصب خلفاً لفرانسوا بايرو، الذي سقطت حكومته بسبب خطة مالية مثيرة للجدل تضمنت إلغاء عطلتين رسميتين لتقليص العجز.
لكن الحكومة الجديدة، التي أعلن عنها مساء الأحد، لم تعمّر حتى الصباح التالي. فبعد ساعات من تعيين وزرائها، واجه ليكورنو رفضاً واسعاً من المعارضة وشركاء الائتلاف، الذين رأوا في تشكيلته استمراراً لنهج ماكرون القديم بدل أن تكون بداية جديدة.
وأبرز الانتقادات جاءت من الحزبين الرئيسيين في اليمين واليسار، اللذين اعتبرا الحكومة “صورة منسوخة” عن الحكومات السابقة.
وقال زعيم حزب الجمهوريين برونو ريتيلو، الذي أعيد تعيينه وزيراً للداخلية: “ماكرون يصرّ على إعادة تدوير نفس الوجوه رغم انهيار شعبيته… هذه ليست حكومة جديدة بل حكومة مأزومة.”
أما زعيم الحزب الاشتراكي أوليفييه فور فاعتبر أن فرنسا تمرّ بـ“أزمة سياسية غير مسبوقة”، محذراً من أن استمرار الفوضى قد يقود البلاد نحو شلل مؤسسي شامل.
الأسواق تهتزّ… واليورو يهبط
ردّت الأسواق المالية الفرنسية بعنف على الأخبار، حيث انخفض مؤشر الأسهم كاك 40 بنسبة 3% عند الافتتاح قبل أن يتعافى جزئياً، فيما ارتفعت عوائد السندات لعشر سنوات إلى أعلى مستوى هذا العام، ما يعكس فقدان الثقة في استقرار الحكومة.
وامتدت الصدمة إلى العملة الأوروبية الموحدة، إذ انخفض اليورو بأكثر من نصف سنت مقابل الدولار الأمريكي في واحدة من الحالات النادرة التي تؤدي فيها أزمة سياسية داخلية فرنسية إلى اضطراب الأسواق العالمية.
يقول محلل الأسواق الأوروبية في بنك “سوسيتيه جنرال”: “الاستقالة بهذا التوقيت تُظهر هشاشة النظام السياسي الفرنسي… المستثمرون يرون في ماكرون اليوم زعيماً بلا حكومة ولا أغلبية.”
حكومة شكلية ومهمة مستحيلة
تولّى ليكورنو رئاسة الوزراء قبل شهر وسط توقعات متواضعة، إذ واجه مهمة شبه مستحيلة: تمرير ميزانية تقشفية لخفض العجز، وتهدئة الشارع الذي لم يتعافَ بعد من احتجاجات التقاعد والإصلاحات الاقتصادية.
لكن محاولته بناء “إدارة تكنوقراطية” متوازنة فشلت سريعاً. فالحكومة التي أعلنها الأحد كانت في جوهرها استنساخاً لطاقم ماكرون القديم، إذ احتفظ برونو لومير بحقيبة الاقتصاد والمالية، وانتقل رولان ليسكور إلى وزارة القوات المسلحة — وكلاهما من المقربين من الرئيس منذ ولايته الأولى.
هذا التوجه أثار استياء الحلفاء والمعارضين على حد سواء. فالأحزاب الوسطية التي دعمته مؤقتاً بعد إعادة انتخابه عام 2022، رفضت الانضمام للحكومة، فيما هاجمته المعارضة بوصفه “دمية في يد الإليزيه”.
ضغوط متزايدة على ماكرون
مع سقوط خمس حكومات في ثلاث سنوات، يجد إيمانويل ماكرون نفسه أمام أسوأ أزمة سياسية منذ توليه الرئاسة. فحركته السياسية الوسطية “النهضة” تفقد الزخم في البرلمان، وأي محاولة لتمرير الميزانية المقبلة تبدو شبه مستحيلة دون دعم المعارضة.
وقد تسارعت الدعوات إلى انتخابات برلمانية مبكرة أو حتى استقالة ماكرون نفسه.
قال جوردان بارديلا، زعيم حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، إن الانتخابات الجديدة “حتماً قادمة خلال أسابيع”، مؤكداً أن حزبه “مستعد لتولي الحكم”.
أما ماتيلد بانو، زعيمة كتلة “فرنسا المتمردة” اليسارية، فكتبت على منصة X: “بعد ثلاث حكومات فاشلة خلال عام واحد، بدأ العد التنازلي لسقوط ماكرون.”
فرنسا على مفترق طرق
تتجاوز الأزمة الحالية الأبعاد السياسية لتضرب ثقة الشارع الفرنسي في مؤسسات الدولة. فمع تفاقم التضخم وتباطؤ النمو وارتفاع الدين العام، يشعر المواطنون أن ماكرون فقد السيطرة على المسار الاقتصادي والاجتماعي.
يقول المحلل السياسي في صحيفة لوموند: “ماكرون محاصر بين يمين متطرف يزحف نحوه من جهة، ويسار غاضب من سياساته النيوليبرالية من جهة أخرى… أي حكومة جديدة لن تصمد طويلاً.”
ويبدو أن الرئيس الفرنسي، الذي بنى صورته على “الاستقرار والإصلاح”، يواجه اليوم احتمال الانزلاق إلى شلل سياسي يهدد بإضعاف فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي في لحظة حرجة من التوترات الاقتصادية والأمنية.



