رئيسيشؤون دولية

المحافظون البريطانيون يغازلون “نهج ترامب” وسط مخاطر انتخابية

افتتحت زعيمة حزب المحافظين البريطاني كِيمي بادينوخ مؤتمر حزبها السنوي بتعهد صاخب: إنشاء “قوة إبعاد” جديدة على غرار وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، مُنحت صلاحيات احتجاز وترحيل 150 ألف مهاجر غير موثق.

وبحسب مراقبين فإن الرسالة واضحة: المحافظون المتعثرون يشددون خطابهم على الهجرة، ينقلبون على مسار الصفر الصافي للمناخ، ويتعهدون بإعادة توجيه “مال دافع الضرائب إلى البريطانيين أولاً”.

لكن تبنّي علامة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السياسية في بلد تُظهر استطلاعاته كراهية واسعة للرئيس الأمريكي ونهجه، يحمل مخاطر جسيمة.

انزياح حادّ نحو اليمين… وورقة “الحدود الأقوى”

تعهدت بادينوخ الأسبوع الماضي بإلغاء قانون تغيّر المناخ لعام 2008 وأهداف الصفر الصافي، فيما يُرتقب أن تعلن وزيرة المالية في حكومة الظل ميل سترايد الثلاثاء إلغاء دعمٍ أخضر تصفه بـ“المكلّف وغير الفعّال”، مع خفضٍ أعمق في المساعدات الخارجية. هكذا يتبلور محور رسائل المؤتمر: “حدود أقوى” يليها “اقتصاد أقوى”.

ويمثل هذا التحوّل—بحسب قيادات في الحزب—اعترافاً بأن الوسط التقليدي الذي سمح للمحافظين تاريخياً بجذب شرائح واسعة تبدّد بعد الهزيمة الساحقة العام الماضي.

والحزب الآن متأخر 14 نقطة عن حزب “إصلاح المملكة المتحدة” بقيادة نايجل فاراج في نوايا التصويت، و4 نقاط وراء حزب العمال الحاكم. الهدف المباشر: استعادة زمام السجال حول الهجرة لوقف نزف المؤيدين إلى حزب فاراج، ثم مطالبة الناخبين بالإنصات لأجندة “الاقتصاد يا ذكي”.

“نافذة أوفِرتون” تتسع… لكن اختبار “العدالة” قاسٍ

يقرّ استراتيجيون محافظون بأن “نافذة أوفِرتون”—الهامش المقبول للرأي العام—تحرّكت يميناً في ملف الهجرة. لكن تحذير الخبراء الانتخابيين واضح: البريطانيون يفشلون أي سياسة لا تجتاز اختبار العدالة.

يقول باتريك إنجليش، مدير التحليلات السياسية في يوغوف، إن إجراءات مثل الإبعاد القسري أو العبث بإقامات طويلة الأمد “لا تبدو عادلة” لدى قطاعات واسعة.

وبحسبه، فإن “وسم” السياسات بأنها “على طريقة ترامب” مخاطرة سياسية في المملكة المتحدة، حيث لا يحظى ترامب ونهجه إلا بشعبية داخل شريحة صغيرة ميّالة إلى “إصلاح المملكة المتحدة”.

تشدد محسوب… وخطوط حمراء

تقول قيادات محافظة إن التشبيه بـ ICE “براندينغ” لتوضيح المقصود: جهاز مركزي يملك أدوات صلبة. لكنهم يؤكدون أن “النموذج الأمريكي مختلف تماماً”، وأن التنفيذ البريطاني لن يرحّل من يملك حقّ البقاء “دون رحمة”.

وتسعى بادينوخ إلى توازن صعب: ردع صلب يوقف القوارب الصغيرة ويستعيد الثقة بسيطرة الدولة، دون تجاوزات تُلهب ملف الحريات المدنية وتفتح جبهات قضائية وإدارية مكلفة.

ويرى وزراء سابقون أن إجابة مقنعة للهجرة شرطٌ مسبق ليسمع الناخبون حجّة المحافظين حول “المسؤولية المالية” وكبح الإنفاق.

ومن المقرر أن تقول ميل سترايد إن المحافظين “الحزب الوحيد القادر على حماية المالية العامة”، مع وعود بإعادة ترتيب الأولويات داخلياً. لكن خصوماً داخل الحزب يحذّرون: الانزياح الحاد نحو ترامبية بريطانية قد ينفّر الليبراليين والمحافظين المعتدلين الذين احتاجهم الحزب تاريخياً لبناء ائتلافات فائزة.

ضيق الوقت… واختبارات حاسمة في الأفق

المخاطر على بادينوخ كبيرة. ثمة إحباط داخلي من بطء استعادة الزخم بعد خسارة السلطة، لكن كثيراً من النواب مستعدون لمنحها فرصة أخيرة هذا الأسبوع.

ويلوح الامتحان الحقيقي في انتخابات اسكتلندا وويلز في مايو المقبل؛ الفشل هناك قد يطلق “حلقة موت” تنظيمية—على حدّ وصف وزير سابق—تسحب الهواء من رئاستها للحزب وتُعظّم دعوات تغيير القيادة قبل الاستحقاق العام التالي.

ويراهن المحافظون على أن تشدد الهجرة يعيدهم إلى صدارة النقاش. لكن استيراد أسلوب ترامب، حتى بصيغة “معدّلة”، قد يتركهم عالِقين بين مطرقة “إصلاح المملكة المتحدة” وسندان رأي عام لا يحب ترامب ولا لغته.

وإذا نجحت بادينوخ في إقناع البريطانيين بأن خطتها صارمة وعادلة في آن، قد تستعيد حزبها من الهامش. أمّا إذا بدا المشروع نسخة مستنسخة من أمريكا، فسيُضاف إلى خسائر 2024 خسارة أخرى: الوسط البريطاني—ذلك الحيّ الذي تُحسم فيه الانتخابات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى