انهيار ماكرون يهز أوروبا: ضعف القيادة الفرنسية يفتح الباب للفوضى السياسية

يشهد الاتحاد الأوروبي واحدة من أكثر لحظاته السياسية هشاشة منذ عقود، بعدما انهارت الحكومة الفرنسية الجديدة خلال ساعات من تشكيلها، في تطور زعزع الأسواق المالية وأثار قلق العواصم الأوروبية من تداعياته العميقة على مستقبل الاتحاد.
ومع تراجع نفوذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون داخليًا، يتزايد الحديث عن أزمة قيادة أوروبية تهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي في القارة.
والانهيار المفاجئ لإدارة رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو، التي لم تصمد أكثر من 14 ساعة، عكس عمق الأزمة السياسية التي تعصف بفرنسا منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وقد تراجعت أسواق الأسهم والسندات، فيما انخفض مؤشر كاك 40 بنسبة 1.4%، وهبط اليورو أمام الدولار وسط مخاوف من انتخابات مبكرة قد تمنح اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان تقدماً تاريخياً.
يقول دبلوماسي أوروبي في بروكسل إن “فرنسا أكبر من أن تنهار ماليًا، لكن استمرار الاضطراب السياسي يجعل منطقة اليورو بأكملها على حافة الخطر”. ويضيف أن “الحديث اليوم في كل أروقة الاتحاد يتمحور حول غياب القيادة الفرنسية وتداعياته على الاقتصاد الأوروبي”.
وتعد فرنسا، باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي والقوة النووية الوحيدة داخله، ركيزة التوازن إلى جانب ألمانيا.
ومع تفكك الحكومة الفرنسية وتراجع قدرة باريس على تمرير أي إصلاح مالي أو تشريعي، يخشى المسؤولون الأوروبيون من انتقال العدوى السياسية إلى بقية دول الاتحاد.
مأزق داخلي غير مسبوق
منذ فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2017، حاول ماكرون تقديم نفسه كزعيم إصلاحي قادر على توحيد أوروبا وإعادة إحياء المشروع الأوروبي.
لكنه اليوم يواجه أزمة داخلية مركّبة: عجزٌ متفاقم في الموازنة، وجمودٌ برلماني يمنعه من تمرير قوانين ضبط الإنفاق، وصعودٌ متسارع لليمين الشعبوي الذي يتصدر استطلاعات الرأي بنسبة تقارب 32%.
ويقول مراقبون إن فشل ماكرون في فرض الانضباط المالي يعكس تراجع نفوذه السياسي وقدرته على ضبط التوازنات الداخلية. وتتعالى في باريس أصوات تدعو إلى استقالته المبكرة قبل انتهاء ولايته في 2027، في وقت يتحدث فيه بعض مستشاريه عن “مرحلة انتقالية” خطرة قد تنتهي بسيطرة التجمع الوطني على البرلمان.
تداعيات أوروبية واسعة
في بروكسل، لم يُخفِ مسؤولو الاتحاد الأوروبي قلقهم من الفراغ الفرنسي، خاصة في ظل استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط.
ويقول دبلوماسي من إحدى دول منطقة اليورو: “لا يمكن لأوروبا أن تواجه بوتين أو تدعم أوكرانيا أو تتعامل مع ترامب الجديد في البيت الأبيض دون فرنسا قوية وفاعلة”.
لطالما مثّلت باريس المحور الأساسي في صياغة السياسة الدفاعية الأوروبية، وكانت صاحبة مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” الذي يهدف إلى جعل الاتحاد أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة في التسليح والطاقة. إلا أن ضعف ماكرون يهدد بتعطيل هذا المشروع، ويفتح المجال أمام تراجع الدور الأوروبي في الأمن الدولي لصالح واشنطن.
وتقول الخبيرة في الشؤون الأوروبية إيزابيل دومون إن “تراجع فرنسا يعني انحسار قدرة الاتحاد على اتخاذ مواقف موحدة في الملفات الكبرى مثل غزة وأوكرانيا”، مضيفة أن “أوروبا تفقد اليوم أحد أهم عقولها السياسية”.
تهديد لمنطقة اليورو والأسواق العالمية
الاضطراب الفرنسي يأتي في وقتٍ يعاني فيه الاقتصاد الأوروبي تباطؤًا واضحًا. ومع انهيار الحكومة، ازداد قلق المستثمرين من توسّع العجز الفرنسي وتأثيره على مستوى الثقة في السندات الأوروبية.
ويقول مدير برنامج أوروبا وروسيا في مركز تشاتام هاوس، جريجوار روس، إن “ماكرون قضى ثماني سنوات يحاول إقناع العالم بأن فرنسا هي الوجهة الاستثمارية الأهم في أوروبا، لكن اليوم لا أرى مستثمرًا كبيرًا سيغامر بأمواله في ظل هذا الغموض السياسي”.
كما يخشى مسؤولون أوروبيون من أن تؤدي انتخابات مبكرة في فرنسا إلى تجميد المفاوضات حول ميزانية الاتحاد طويلة الأمد، خصوصًا أن الدول الأعضاء كانت تسعى للتوصل إلى اتفاق قبل عام 2027 لتجنب تسييس الملف من قبل لوبان في حال فوزها.
نهاية “العصر الماكروني”
في عواصم أوروبا، يتحدث دبلوماسيون عن “نعي سياسي” مبكر لإيمانويل ماكرون. فبعد أن دخل قصر الإليزيه كوجه شاب وعد بإحياء أوروبا، بات اليوم يُنظر إليه كزعيم ضعيف يفتقد القدرة على الإمساك بخيوط السلطة.
ورغم تأكيده أنه سيكمل ولايته حتى النهاية، إلا أن الانقسامات الداخلية تجعل تأثيره في الاتحاد الأوروبي يتضاءل يوماً بعد يوم.
ويقول أحد المسؤولين الفرنسيين السابقين إن “فرنسا الآن بلا بوصلة. روسيا تتقدم، الصين تُغرق الأسواق الأوروبية، والولايات المتحدة تنسحب من التزاماتها. في خضم كل هذا، أوروبا بلا قائد فعلي”.



