أثار هجوم بقنابل حارقة استهدف مسجدًا محليًا في بلدة بيسهافن ذعر الجالية المسلمة وقلق سكان المنطقة الأوسع، في حادثة وصفتها شخصيات مجتمعية بأنها “إرهابية ومحاولة قتل”، فيما قالت شرطة ساسكس إنها لا تتعامل معها حاليًا كحادث مرتبط بالإرهاب ريثما تكتمل التحقيقات.
وبحسب إفادات شهود، فقد سُكب البنزين على درج المسجد وتحت سيارة رئيسه محمد خان بعد وقت قصير من صلاة مساء السبت، قبل أن تُشعل النيران عند المدخل. وتمكّن خان وأحد أصدقائه من الفرار في اللحظات الأخيرة، بينما أظهرت صور كاميرات المراقبة التي نشرتها الشرطة شخصين ملثمين يقتربان من الباب ويرشان مادة مسرّعة للاشتعال ثم يوقدان النار.
قال خورام كياني، مؤسس المسجد، إن ما جرى “هجوم إرهابي ومحاولة قتل صريحة”، مضيفًا: “الناس خائفون من القدوم للصلاة… نسبة الحضور في صلاة العشاء تراجعت بشكل واضح”. وأشار إلى أن خان ما يزال في حالة صدمة ويعاني صعوبةً في النوم.
تصاعد التوترات ومخاوف من هجمات تقليدية
يأتي الحادث وسط تصاعد الآراء المتطرفة في المملكة المتحدة، وفق تعبير مرتادي المسجد، الذين ربط بعضهم بين الهجوم ومسيرة الأعلام القومية في لندن الشهر الماضي بقيادة الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون، والتي شارك فيها عشرات الآلاف. كما تزايد القلق بعد الهجوم على كنيس يهودي في مانشستر الأسبوع الماضي الذي أسفر عن مقتل اثنين من المصلين، ما رسّخ المخاوف من أن دور العبادة باتت أهدافًا سهلة في مناخ مشحون بالتحريض والكراهية.
وأعرب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن “صدمته” إزاء حريق بيسهافن، مؤكدًا أن “الهجمات على مسلمي بريطانيا هي هجمات على الجميع”، وداعيًا إلى رفض أي مظهر من مظاهر الإسلاموفوبيا.
من جانبها، دعت قائدة شرطة ساسكس جو شاينر أي شخص يمتلك معلومات إلى التقدّم بها “لمساعدتنا في تقديم الجناة إلى العدالة لما حدث وكان مروعًا للغاية”، مؤكدة أن تحديد ملابسات حادث بيسهافن بدقة هو مفتاح التعامل مع أي مخاطر لاحقة.
بين القلق المجتمعي وتضامن الجيران
لم تخلُ الصورة من لفتات دعمٍ لافتة من السكان غير المسلمين. فقد حضر الجيران إلى المسجد حاملين بطاقات ورسائل تضامن. وقال الضابط المتقاعد جيسون إيدي: “أردنا أن نبعث رسالة سلام وحب للمجتمع الإسلامي… الانقسام والكراهية لا يحلان شيئًا”. وأشار إلى مشاركته في فعاليات “الوقوف في وجه العنصرية”، معتبرًا أن “بعض الخطابات العامة تُشجّع الناس على قول وفعل أشياء عنصرية”.
وقال عثمان شالا، وهو مسلم من ألبانيا يدير خدمة ركن سيارات مجاورة، إن المنطقة هادئة بطبيعتها ولم تشهد حوادث تُذكر سوى واقعة قديمة بوضع لحم خنزير على عتبة المسجد قبل عامين. لكنه أقرّ بأن القلق يتزايد مؤخرًا مع وصول أعداد متنامية من المهاجرين إلى منطقة تُصنَّف من بين الأكثر حرمانًا في ساسكس، ومع تصاعد الخطاب المناهض للهجرة.
إدانات دينية ورسمية
أدان مجلس حكماء المسلمين ما وصفه بـ“الاعتداءات الإجرامية على المواقع الدينية” في بريطانيا، معتبرًا الهجوم “انتهاكًا صارخًا لحرمة دور العبادة” وشكلًا من أشكال الإرهاب والتطرف يهدد السلم المجتمعي، فيما حذّر من تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية وكراهية الإسلام، داعيًا إلى تضافر الجهود لتعزيز التسامح والتعايش.
بدوره، قال مجلس نواب اليهود البريطانيين إن “لكل جماعة دينية الحق في ممارسة عبادتها دون خوف، وبلدُنا أفضل من ذلك”، في رسالة تضامن عابرة للطوائف عقب حوادث استهدفت مسلمين ويهودًا على السواء خلال الأسبوعين الماضيين.
وتواصل شرطة ساسكس التحقيق في الواقعة، وقد نشرت صورًا للمشتبه بهما التقطتها كاميرات المراقبة، داعية الجمهور إلى الإدلاء بأي معلومات حول تحركاتهما أو هويتهما. وبينما شددت القوة على أن تصنيف الحادث ليس إرهابيًا في الوقت الراهن، يطالب قادة المجتمع المحلي بتحقيق شامل وسريع، وبمراجعة أمنية لحماية دور العبادة، إلى جانب تشديد التصدي لخطاب الكراهية على المنصات العامة ووسائل التواصل.
في أروقة مسجد بيسهافن، لا تزال رائحة الحريق عالقة في القاعة المفروشة بالسجاد، بينما يحاول رواده العودة تدريجيًا إلى إيقاع حياتهم الدينية. “نريد فقط أن نصلّي بأمان”، يقول أحد المصلين، قبل أن يضيف بصوت خافت: “ونريد أن نعرف أن بلدنا يقف معنا”.

