Site icon أوروبا بالعربي

قمة أوروبية مصيرية لكبح صعود اليمين المتطرف

المجلس الأوروبي

قبل سنوات قليلة، كان من الصعب تخيّل أن يتصدّر الإسكان جدول أعمال المجلس الأوروبي. اليوم، يدخل الملفّ الاجتماعي الجامح إلى غرفة صناعة القرار جنبًا إلى جنب مع الدفاع والقدرة التنافسية والتحولات الخضراء والرقمية والهجرة.

وتُطرح هذه الملفات تحت عنوان واحد: منع سيناريو اقتراب أربعة أو خمسة قادة من اليمين المتطرف من مقاعد المجلس الأوروبي خلال الأعوام المقبلة، بما يحمله ذلك من أسئلة وجودية حول مستقبل الاتحاد وسياسته الأمنية.

ففي كبريات العواصم الأوروبية، من باريس إلى برلين وروما وأمستردام، حققت القوى القومية والشعبوية اختراقات لافتة، مستفيدةً من موجة غضب اجتماعي واقتصادي وتآكل ثقة بناة «الوسط» التقليدي.

على الطاولة اليوم معركة هوية: هل يقدر التيار الرئيسي (يمين الوسط ويسار الوسط والليبراليون والخضر) على استعادة زمام المبادرة عبر سياسات ملموسة تمسّ حياة المواطنين، أم يواصل التيه في عناوين كبرى تفتقر لأثرٍ فوري؟

الإسكان… من هامش اجتماعي إلى أولوية استراتيجية

يشكّل ارتفاع أسعار المنازل والإيجارات وقودًا انتخابيًا لليمين المتطرف في عدة دول. تحوّل الملف من قضية بلدية إلى أزمة اجتماعية تتطلب استجابة على مستوى الاتحاد، ولو أن أدوات بروكسل تقليديًا محدودة في مجال السكن.

مع ذلك، ثمة توجّه لبلورة خطة إسكان ميسور على مستوى أوروبي، والتشدد مع الإيجارات قصيرة الأجل، وتسهيل تمويل الإسكان العام والتجديد الحضري.

لكن الخلافات لا تزال حادّة: بين من يدعو لفرملة المضاربة العقارية، ومن يرفض أي تداخل أوروبي عميق في سياسات السكن الوطنية.

الدفاع… استثمار هائل ورهان سياسي

يتجه الاتحاد لحشد تمويل دفاعي غير مسبوق خلال الأعوام المقبلة، على أمل أن يحقق وظيفتين: تعزيز القدرات العسكرية المتآكلة، وخلق وظائف وصناعات بديلة عن قطاعات متعثّرة—لا سيما السيارات—بما يدعم شرعية المشروع الأوروبي اقتصاديًا.

إلا أن المسار ليس تقنيًا فحسب؛ إنه تفاوض سياسي معقد، إذ يربط بعض القادة دعمهم لعقوبات أوكرانيا أو ملفات صناعية بامتيازات لقطاعاتهم الوطنية. الرهان: أن يشعر المواطن بأن اليورو الدفاعي يعود عليه عملًا وأمنًا.

الرقمنة ومنصات التواصل… ميدان نفوذ اليمين

ترى بروكسل أن وسائل التواصل الاجتماعي تضاعف تأثير السرديات الشعبوية والمتطرفة، مع اتهامات متكررة لمنصات كبرى بتعزيز محتوى اليمين.

ويدور النقاش حول تشديد تطبيق قواعد المحتوى والشفافية وخوارزميات التوصية، وكيفية حماية العملية الانتخابية من التلاعب المعلوماتي دون الانزلاق إلى رقابة غير شعبية. السؤال العملي: كيف تُترجم المبادئ إلى أدوات قابلة للتنفيذ ضد شركات تكنولوجية عابرة للحدود؟

التحول الأخضر تحت ضغط «الواقعية الانتخابية»

الأجندة الخضراء تواجه تخفيفًا تدريجيًا بفعل كلفة الانتقال على الأسر والشركات، وبفعل استثمار اليمين المتطرف في سردية «التنظيمات الخانقة».

وقد تتجه القمة إلى إعادة ضبط أهداف 2040 أو «تبسيط» الحزمة التشريعية. التحدي: الحفاظ على مسار المناخ مع معالجة تكاليف الطاقة واحتواء التضخم التنظيمي الذي يغذي السخط الشعبي.

الهجرة… من «تابو» إلى سياسة سائدة

أكثر العلامات وضوحًا على تأثير اليمين هي تحوّل نقاش معالجة طلبات اللجوء خارج حدود الاتحاد من فكرة هامشية إلى مادة تفاوض «مشروعة» في التيار الرئيسي.

وتزداد الدعوات لإنشاء مراكز «آمنة» خارج الاتحاد، وتشديد الرقابة على الحدود، وتسريع الإجراءات والترحيل. التيار التقليدي يراهن على أن ضبط الهجرة يسحب ورقة رابحة من أيدي منافسيه؛ لكن ثمن ذلك قد يكون خلافات قانونية وحقوقية وتوترات مع دول الجوار.

وداخل ممرات بروكسل يتصاعد خطاب التبسيط: تخفيف البيروقراطية وتسريع التراخيص وخفض كلفة الامتثال. الفارق دقيق بين إزالة الاختناقات وبين إلغاء القواعد، ما يفتح جدلًا حول جوهر الدور التنظيمي للاتحاد: كيف يوازن بين المرونة وحماية المعايير؟

ما الذي يُقاس به النجاح؟

لن تحسم قمة واحدة مصير المشهد. لكنّ مؤشرات مبكرة ستُقرأ بعناية:

1. هل يصدر تعهد زمني واضح لخطة إسكان أوروبية قابلة للتنفيذ؟
2. ما حجم الالتزام المالي والدفع الصناعي في الدفاع، مقرونًا بفرص عمل محلية؟
3. هل تتقدم حزمة رقمنة ذات أسنان تنفيذية تجاه المنصات؟
4. إلى أي مدى تُعدَّل أهداف المناخ دون فقدان المصداقية؟
5. وما هو شكل تسوية الهجرة بين الواقعية السياسية والالتزامات الحقوقية؟

Exit mobile version