Site icon أوروبا بالعربي

جواسيس أوروبا يتعلمون الثقة ببعضهم البعض – بفضل ترامب

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

تشهد وكالات الاستخبارات في أوروبا تحوّلًا غير متوقع نحو تعزيز التعاون فيما بينها، مدفوعة جزئيًا بالتقلبات في السياسة الأميركية، ولا سيما إجراءات الرئيس دونالد ترامب الأخيرة التي أثارت شكوكًا حول التزام الولايات المتحدة بتبادل المعلومات الاستخباراتية عبر الأطلسي.

وعلى مدى عقود، كانت الثقة بين أجهزة الاستخبارات الأوروبية ضعيفة، ما أدى إلى عمليات تجسس متبادلة ومنافسة على جمع المعلومات الحساسة.

ومع ذلك، تسرّعت وتيرة التعاون هذا العام بعد أن أوقفت إدارة ترامب فجأة تبادل المعلومات الاستخباراتية الميدانية مع كييف في مارس/آذار الماضي، ما دفع العواصم الأوروبية إلى إعادة ترتيب أولوياتها وبناء شبكات ثقة مستقلة.

قال مسؤول استخباراتي غربي، طالب بعدم الكشف عن هويته، إن ترامب “جمع خدمات أوروبا معًا”، مشيرًا إلى أن الانقسام في الثقة عبر الأطلسي أصبح حافزًا لوكالات التجسس الأوروبية للتقارب بشكل أسرع وأوثق.

وأضاف سبعة مسؤولين آخرين من الاستخبارات والأمن لبوليتيكو أن هذا التحول يدفع الدول الأوروبية إلى مراجعة دقيقة لطرق تبادل المعلومات مع الولايات المتحدة، مع قيود محددة على البيانات المرسلة بسبب المخاوف من التدخل السياسي وانتهاكات حقوق الإنسان.

وإحدى أدوات التعاون القديمة هي “نادي برن”، شبكة سرية أُنشئت قبل نحو خمسين عامًا في سويسرا، لتنسيق تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول الأوروبية وبعض الدول خارج الاتحاد.

ويجتمع النادي مرتين سنويًا، ويضم دولًا مثل فرنسا وألمانيا وهولندا، إضافة إلى المملكة المتحدة والنرويج وسويسرا. ومع ذلك، فإن نطاق مشاركة المعلومات محدود، وغالبًا ما يخضع لمحددات وطنية صارمة خوفًا من تسريبها أو استخدامها من قبل جهات غير موثوقة.

هذا التحول نحو تعزيز الثقة الداخلية داخل أوروبا انعكس أيضًا في تعزيز التنسيق على مستوى الاتحاد الأوروبي، حيث بدأت وحدة الاستخبارات الداخلية للاتحاد بإحاطة كبار المسؤولين بالمستجدات الأمنية، ومراجعة صرامة لنظم تبادل المعلومات، مع دراسة جدية لإنشاء وكالة مركزية تشبه وكالة المخابرات المركزية الأميركية، قادرة على تنسيق الجهود الاستخباراتية والاستراتيجية على المستوى الأوروبي.

وأشار خبراء مثل فيليب ديفيز، مدير مركز برونيل لدراسات الاستخبارات والأمن في لندن، إلى أن هذا التعاون الجديد يتيح لوكالات التجسس الأوروبية تجاوز القيود التقليدية التي كانت تفرضها الخشية من الجواسيس الروس، خصوصًا في أوروبا الشرقية، وتحقيق مستوى أعلى من التنسيق الفعلي دون الاعتماد الكامل على بروكسل.

كما دعا الرئيس الفنلندي السابق ساولي نينيستو الاتحاد الأوروبي إلى تأسيس “خدمة تعاون استخباراتية متكاملة”، قادرة على حماية البنية التحتية، ومكافحة التخريب، والاستجابة بشكل أكثر فاعلية للتهديدات الأمنية الاستراتيجية.

ويبدو أن التحولات الجيوسياسية، بما في ذلك العدوان الروسي والحاجة إلى الاعتماد على القدرات الذاتية، دفعت الدول الأوروبية إلى تجاوز العقبات التقليدية، وبناء شبكة ثقة جديدة فيما بينها.

في النهاية، أدت السياسات الأميركية غير المتوقعة، لا سيما إجراءات ترامب، إلى تسريع عملية تعلم الثقة بين وكالات الاستخبارات الأوروبية، وإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية، بما يضمن للدول الأوروبية قدرة أكبر على مواجهة التحديات الأمنية المشتركة دون الاعتماد الكامل على شركائها عبر الأطلسي.

ويشير هذا التقارب الجديد إلى ميل أوروبا نحو الاكتفاء الذاتي في مجال الاستخبارات، مع الحفاظ على مستويات عالية من التنسيق الداخلي بين الدول الأعضاء، ما قد يشكل نموذجًا جديدًا للعمل الاستخباراتي في القرن الحادي والعشرين.

Exit mobile version