تُظهر الانقسامات الحادة داخل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) بشأن سياسة الدفاع مدى ابتعاده عن القدرة على التصرف كقوة حاكمة متماسكة.
فبينما يدعو الحزب إلى “سيادةً دفاعية” قوية، فإنه عاجز عمليًا عن الاتفاق حول من تُوجَّه هذه القوة وما إذا كان ينبغي الانخراط مع الحلفاء الغربيين أم الانحراف نحو موقف أكثر تقاربًا مع موسكو.
ويدفع ائتلاف المستشار فريدريش ميرز إعادة النظر في موقع ألمانيا الاستراتيجي أمام تهديد روسيا وتأثير تقويض الالتزام الأميركي بأمن القارة في عهد إدارة ترامب، ما يضع حزب البديل في مأزق داخلي بين جناحٍ شرقي يميل إلى مرونة تجاه روسيا وجناحٍ غربي يدافع عن تحالفات ألمانية تقليدية مع الناتو.
وعن هذا اللبس قال روديغر لوكاسن، المتحدث باسم سياسات الدفاع في الحزب: «نحن حزب يطالب بالقوة الدولة؛ والجيش أحد أعمدتها. لا نريده فقط لخوض الحروب بل لحماية سيادة البلاد». لكن هذه الشعارات اصطدمت عمليًا بتصدع الوحدة الحزبية عندما اندلعت مناقشات متعلقة بإمكانية إعادة التجنيد الإجباري.
لطالما كان التعاطف مع إعادة التجنيد ورؤية الجيش كحلقة وصل بين المجتمع جزءًا من أجندة البديل. وصرح هانيس غنوك، نائب الحزب للشؤون الدفاعية، بأن «التجنيد الإجباري سيُعيد ربط الجيش بالمجتمع ويعالج نقص الأفراد الذي واجهه منذ تعليق التجنيد في 2011».
لكن المبادرات التي دُعيت بها الكتل الشرقية داخل الحزب إلى تجميد أي حديث عن إعادة التجنيد حتى «انتهاء الحرب في أوكرانيا واعتماد موقف ألماني محايد» كشفت عمق الانقسام.
وقد وثّق اقتراح داخلي وقّعه 24 من نواب الحزب دعوته لعدم تبني خطوات قد تربط الشباب الألماني بصراعات خارجية أو بمواقف مؤيدة للناتو، ما اعتُبر رسالة واضحة من نواب الشرق الرافضين لأي سياسات تبدو وكأنها خدمة لمصالح حلف شمال الأطلسي.
يُظهر هذا الخلاف أن الحزب لم يحدد بعد ما إذا كانت سيادته تُترجم إلى تعزيز تعاون دفاعي مع الغرب أم بناء إطار أمني أوروبي مستقل قد يُعاد بواسطته ضبط العلاقات مع روسيا.
وعبّر تينو شروبالا، أحد قادة الفصيل الشرقي، عن هذا الطموح قائلاً إن أوروبا «يجب أن تجلس أخيرًا وتتحدث مع روسيا» وأن هناك حاجة إلى «هيكل أمني جديد في أوروبا»، وهو تصريح يتناقض مع دعوات بعض زعماء الحزب إلى تكاتف أقوى مع الحلفاء.
ومن المعلوم أن مخاوف اليمين الشرقي لا تنفصل عن خبرته التاريخية؛ ففي الولايات الشرقية السابقة لا يزال هناك إحساس بالحرمان عقب إعادة التوحيد، وتغذّي هذه الخلفية توجّهًا سياسيًا يميل إلى التشكيك في التبعية لواشنطن وبروكسل.
ويقول لوكاسن إن هذا الاستياء ينعكس في موقف هؤلاء النواب الذين يرون أي خيار يدعم تدخل الناتو أو علاقات وثيقة مع الغرب كخضوع بدلاً من سيادة.
والنتيجة أن خطاب الحزب حول الدفاع أصبح متضاربًا داخليًا: بينما يطالب بعض النواب بترسانات أقوى وحتى بسلاح نووي، يؤكد آخرون أن الانخراط العسكري مع الناتو يعرّض ألمانيا لخطر أن تصبح طرفًا في صراعات لا تخدم مصالحها. هذه التناقضات تُضعف قدرة البديل على تحويل شعبيته المتنامية إلى برنامج سياسي موحّد قابل للتطبيق في الحكم.
ويرى المراقبون أن هذه الشروخ تُعطي دليلاً واضحًا على أن البديل لم يبلغ بعد مرحلة النضج السياسي التي تسمح له بإدارة الملفات الحساسة مثل الأمن القومي والدفاع.
ومع استعداد الحزب للوقوف أمام اختبار القدرة على بناء تحالفات وتقديم سياسات قابلة للتنفيذ، يظل السؤال الأهم: هل سيتمكن البديل من تجاوز فصول الخلاف الداخلي والظهور كقوة منظمة وقادرة على الحكم، أم أن مزيدًا من الانقسام سيتركه أسيرة المعارضة الخطابية دون أدوات تنفيذ؟.

