هل يستطيع الاتحاد الأوروبي كسر اعتمادِه على الصين في المعادن الأساسية؟

بعد أن شددت بكين هذا الشهر قيودها على تصدير المعادن الأرضية النادرة والمواد الأساسية، وجدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين نفسها مضطرة إلى التحرك بسرعة.
فالاتحاد الأوروبي الذي يعتمد بنسبة تصل إلى 99 في المئة على الصين لتوريد هذه المعادن، يسابق الزمن لوضع خطة جديدة سُمّيت “RESourceEU” تهدف إلى تأمين الإمدادات وتنويع مصادرها، في خطوة تشبه إلى حد كبير خطة “REPowerEU” التي أُطلقت عام 2022 بعد الغزو الروسي لأوكرانيا لتنويع مصادر الطاقة.
لكن السؤال المركزي الذي يثير الجدل في بروكسل هو: هل يملك الاتحاد الأوروبي التمويل والإرادة السياسية لتحمل تكلفة الاستقلال عن الصين؟
سباق ضد الزمن
من المقرر أن تُعرض الخطة الجديدة قبل نهاية العام، وتتضمن مقترحات للشراء المشترك، وتخزين المواد الخام، وتعزيز إعادة التدوير، وإقامة شراكات جديدة مع دول منتجة للمعادن. غير أن معظم هذه الأفكار ليست جديدة؛ فقد سبق أن طُرحت في إطار قانون المواد الخام الأساسية عام 2023، دون تحقيق نتائج ملموسة.
ويرى محللون أن إطلاق مبادرة جديدة دون تخصيص أموال كافية قد يكون مجرد “إعادة تغليف” لمشروعات قديمة.
يقول فلوريان أندرهوبر، نائب المدير العام لمجموعة الضغط “يوروماينز”: “لن يُجدي الأمر نفعًا إذا كانت المبادرة مجرد وصفٍ لما يجري بالفعل. نحتاج إلى التزامات مالية جادة”.
وتأتي هذه الخطة في وقتٍ حساس تجاريًا، إذ تصاعدت التوترات بين واشنطن وبكين، وازدادت المخاوف من أن تستخدم الصين سيطرتها على سلاسل توريد المعادن كأداة ضغطٍ جيوسياسي، على غرار ما فعلته روسيا في ملف الطاقة.
التمويل.. الحلقة المفقودة
المعضلة الكبرى أمام المفوضية ليست في الرؤية، بل في التمويل. فمشروعات التعدين والمعالجة داخل أوروبا مكلفة ومعقدة، وتتطلب استثمارات تمتد لعقود.
ويقول توبياس جيركه، الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن “نقص التمويل هو العائق الحقيقي أمام أجندة المواد الخام الأوروبية. فبدون دعم مالي جدي لن يكون ممكنًا تطوير التعدين أو المعالجة أو حتى إعادة التدوير.”
وتطمح بروكسل إلى أن تستخرج بحلول عام 2030 ما لا يقل عن 10 في المئة من احتياجاتها السنوية من المعادن داخل الاتحاد، وألا تتجاوز 65 في المئة من وارداتها من أي بلد واحد.
لكن هذه الأهداف تبدو صعبة المنال في ظل احتكار الصين للسوق العالمي، وتباطؤ إصدار التراخيص للمشروعات الجديدة التي تستغرق عادة من 10 إلى 15 عامًا قبل الإنتاج.
لذلك، يدعو الخبراء إلى إنشاء صندوق أوروبي خاص للمواد الخام على غرار برامج تمويل الطاقة أو التحول الأخضر. وتقول النائبة الأوروبية هيلديجارد بينتيل إن “الاستراتيجية الجديدة يجب أن تكون مدعومة بتمويل حقيقي، لا أن تظل وثيقة نوايا”.
مقاومة داخلية ومخاوف بيئية
رغم الحاجة الملحّة للاستقلال عن الصين، فإن زيادة عمليات التعدين داخل الاتحاد تواجه مقاومة شعبية واسعة بسبب المخاطر البيئية والاجتماعية. فالكثير من المجتمعات المحلية ترفض إقامة المناجم الجديدة التي تستهلك كميات ضخمة من المياه والطاقة، وتخلّف تلوثًا بيئيًا دائمًا.
ويحذر دييغو مارين، من المكتب البيئي الأوروبي، من أن الاتحاد “يختار المصلحة الجيوسياسية على حساب حقوق الإنسان والبيئة، ويخاطر بتكرار أخطاء الماضي بدلاً من بناء استقلالية حقيقية قائمة على الاستدامة والشراكات العادلة”.
ولمواجهة نفوذ الصين، يعمل الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع مجموعة السبع على إطلاق تحالف جديد لإنتاج المعادن الحرجة (CMPA)، تقوده كندا، يهدف إلى إنشاء “أسواق قائمة على المعايير”، أي شبكات تجارية تحمي المعادن المنتجة وفق معايير بيئية واجتماعية صارمة.
وقد تسمح هذه المبادرة بتحديد حدٍّ أدنى للأسعار وفرض رسوم على المعادن القادمة من مصادر غير مسؤولة، مما يخلق سوقًا موازية أكثر شفافية، لكنها أيضًا أكثر تكلفة بالنسبة للمستهلكين الأوروبيين.
وتؤكد فون دير لاين أن أوروبا تعلمت الدرس من أزمة الطاقة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا: “لم يعد بإمكان أوروبا أن تفعل الأشياء بالطريقة نفسها. لقد تعلمنا الدرس، ولن نكرر الاعتماد على طرف واحد في المواد الأساسية.”
لكن الواقع الاقتصادي أكثر تعقيدًا. فبينما كانت أوروبا قادرة على تعويض النفط والغاز الروسيين ببدائل من الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا، لا توجد أسواق بديلة متكاملة للمعادن النادرة خارج الصين.
وحتى المشاريع الجديدة في أفريقيا أو أميركا الجنوبية تحتاج إلى عقدٍ كامل لتصل إلى مرحلة الإنتاج التجاري.



