رئيسيشئون أوروبية

اليسار المتطرف في ألمانيا ينقذ ميرز من هزيمة سياسية كادت تعصف بائتلافه

وجد المستشار الألماني فريدريش ميرز نفسه يتلقى طوق نجاة سياسيًا من خصومه التقليديين: حزب اليسار المتطرف. فقد أعلن الحزب أنه سيمتنع عن التصويت على حزمة إصلاحات التقاعد خلال الجلسة الحاسمة في البوندستاغ، ما أتاح فعليًا تمرير المشروع ومنع سقوط حكومة ميرز في إحراج سياسي كان سيقوض شرعيته بعد أشهر قليلة من توليه المنصب.

ويأتي هذا التطور في وقت حساس للغاية بالنسبة لائتلاف ميرز الهش، الذي لا يمتلك سوى أغلبية ضئيلة تبلغ 12 صوتًا، ويعاني من تمرد داخلي قاده 18 نائبًا محافظًا شابًا يعتقدون أن نظام التقاعد الحالي غير قابل للاستمرار ويحتاج إلى إصلاحات جذرية. هذا التمرد كان كفيلًا بعرقلة مشروع الحكومة وإظهارها بمظهر المنقسمة وغير القادرة على إدارة الملفات الكبرى.

لكنّ إعلان حزب اليسار، يوم الأربعاء، قلب المشهد. إذ أكد قادة الحزب أن قرارهم لا علاقة له برغبة في إنقاذ ميرز أو التعاون مع ائتلافه المحافظ ــ بل يأتي دفاعًا عن المتقاعدين ورفضًا لأي تخفيض محتمل في المزايا.

وقالت هايدي رايشينيك، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب اليسار، في بيان شديد اللهجة: “المحافظون يمارسون ألعاب السلطة على حساب ملايين المتقاعدين. من المخزي أن كتلة ميرز لا تسمح حتى للمتقاعدين بوضع الزبدة على خبزهم”، مشيرة إلى أن الحزب لن يسمح بتمرير أي خطوة تمس كرامة كبار السن أو أمنهم الاقتصادي.

ورغم أن الامتناع عن التصويت لا يعني دعم حزمة التقاعد، فإنه يقلل العدد المطلوب لتمريرها في الجلسة، ما يمنح ائتلاف ميرز فرصة للنجاة من اختبار قوة كاد أن يسقطه سياسيًا ويقوض صورته على الساحة الأوروبية.

لكن المفارقة أن هذا “الإنقاذ” يضع ميرز في مأزق آخر: إذ يعطي انطباعًا بأن حكومته المحافظة تعتمد بحكم الأمر الواقع على دعم حزب لطالما وصفه المحافظون بأنه “متطرف وغير مؤهل للشراكة السياسية”.

ويخلق هذا التناقض حالة من الإرباك داخل معسكر ميرز ويمنح المعارضة مادة دسمة للتشكيك في تماسك الحكومة.

بالتوازي، يواصل قادة الائتلاف جهودهم الحثيثة لاحتواء التمرد الداخلي وكسب أصوات المعارضين داخل الحزب.

فقد أعلن الائتلاف قبل أيام عن تسوية تتضمن مراجعة أوسع لإصلاحات التقاعد في بداية العام المقبل، على أمل إرضاء النواب الشباب وتهدئة المخاوف المتزايدة بشأن العبء الديموغرافي الذي يثقل ميزانية الدولة.

لكن الوعود لم تُجدِ نفعًا مع البعض. إذ كتب يوهانس وينكل، أحد أبرز النواب المحافظين الشباب، منشورًا يؤكد فيه أنه سيصوت ضد الحزمة: “ألمانيا بحاجة إلى إصلاحات جادة. التغير الديموغرافي سيضرب المالية العامة بقوة غير مسبوقة. العدالة بين الأجيال تتطلب قرارات حقيقية وليس سياسات رمزية”.

ومع اقتراب جلسة الجمعة، ما يزال المشهد السياسي ضبابيًا. فبينما ضمنت حكومة ميرز على الأغلب تمرير الحزمة بفضل امتناع اليسار، يبقى السؤال الأكبر: هل يستطيع المستشار السيطرة على الكتلة البرلمانية داخل حزبه، أم أن هذا الانقسام سيترك ندوبًا عميقة في ائتلافه الوليد؟

والأكيد أن قرار اليسار هزّ المشهد السياسي الألماني، إذ أنقذ حكومة يمينية من هزيمة محرجة، بينما أكد في الوقت ذاته استمرار الاستقطاب السياسي الحاد بين المعسكرين، وفتح الباب أمام معركة طويلة حول مستقبل نظام التقاعد في بلد يشيخ بسرعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى