رئيسيشؤون دولية

بريطانيا تتعهد بإرسال قوات إلى أوكرانيا وغياب التفاصيل يفتح باب الأسئلة الكبرى

عززت بريطانيا تعهدها بالمشاركة العسكرية في أوكرانيا عبر إرسال قوات لدعم أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار مع روسيا، لكنها تركت خلف هذا التعهد سلسلة واسعة من الأسئلة دون إجابات واضحة، تتعلق بالموارد المتاحة، وشروط الاشتباك، وطبيعة المهمة، وحدودها الزمنية والسياسية.

وجاء التعهد البريطاني في أعقاب اجتماع ما عُرف بـ«تحالف الراغبين» الذي عُقد في باريس هذا الأسبوع، حيث وقّعت المملكة المتحدة وفرنسا «إعلان نوايا» ينص على نشر قوات في أوكرانيا ضمن إطار دولي يهدف إلى ضمان استدامة أي اتفاق لوقف إطلاق النار.

ويُعد هذا الإعلان ثمرة أشهر من التخطيط غير المعلن بين مسؤولين مدنيين وعسكريين في العاصمتين، سعياً لمنح أي تسوية مستقبلية بعداً عملياً على الأرض.

ورغم أهمية الخطوة، لم يكشف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر سوى القليل من التفاصيل، مكتفياً بالتعهد بعرض المسألة على تصويت في مجلس العموم في وقت لاحق.

وأثار هذا الغموض قلقاً متزايداً داخل الأوساط الدفاعية والسياسية، خاصة في ظل الضغوط القائمة أصلاً على القوات المسلحة البريطانية.

ويرى خبراء أن المشكلة الأولى تتعلق بالقدرة البشرية. ففي حين أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صراحة أن بلاده تعتزم إرسال «عدة آلاف» من الجنود إلى أوكرانيا، امتنع ستارمر عن تقديم أي رقم، مبرراً ذلك بأن حجم الانتشار سيعتمد على طبيعة وقف إطلاق النار وشروطه.

غير أن محللين عسكريين يؤكدون أن أي انتشار، مهما كان محدوداً، سيشكّل عبئاً كبيراً على الجيش البريطاني.

وكانت المراجعة الدفاعية الاستراتيجية البريطانية الأخيرة قد حذرت من تقلص حجم القوات منذ نهاية الحرب الباردة، مشيرة إلى أن عدد القوات الجاهزة للانتشار في أي لحظة بات محدوداً للغاية.

وتظهر أحدث بيانات وزارة الدفاع أن عدد الجنود الجاهزين طبياً للنشر يبلغ نحو 99 ألف جندي فقط، ما يثير تساؤلات حول قدرة لندن على فتح جبهة التزام جديدة دون سحب قوات من مهام قائمة.

وتتجاوز المخاوف مسألة الأعداد إلى مدة الانتشار وأفقه السياسي. إذ يخشى مسؤولون سابقون من تكرار سيناريو الالتزامات المفتوحة التي استنزفت بريطانيا في أفغانستان والعراق.

ويصف بعض الخبراء المهمة المحتملة في أوكرانيا بأنها قد تكون من أخطر المهمات التي خاضتها بريطانيا منذ عقود، ليس من حيث الحجم العددي، بل من حيث المخاطر والعواقب، معتبرين أن أي فشل فيها سيكون مكلفاً سياسياً وعسكرياً.

ويتعلق السؤال الأكثر حساسية بقواعد الاشتباك: ماذا سيحدث إذا شنت روسيا هجوماً جديداً أو استهدفت القوات المنتشرة؟ حتى الآن، ترفض الحكومة البريطانية الخوض في هذا السيناريو، مكتفية بالحديث عن دور «طمأنة» يشمل دعماً جوياً وبحرياً وتدريباً للقوات الأوكرانية.

ولم يمر هذا الغموض من دون ملاحظة في كييف، حيث تساءل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي علناً عمّا إذا كان الشركاء الغربيون سيردون بقوة في حال تعرض أوكرانيا لهجوم جديد.

وتزداد الصورة تعقيداً مع الدور الأمريكي. فقد شدد ستارمر مراراً على أن أي مشاركة بريطانية مشروطة بتوفير الولايات المتحدة شبكة أمان استراتيجية.

إلا أن البيان الختامي لاجتماع باريس خلا من أي التزام أمريكي صريح، بعدما حُذفت منه إشارات كانت موجودة في مسودات سابقة حول دعم واشنطن الاستخباراتي واللوجستي أو تدخلها في حال تعرض القوة لهجوم.

ورغم دفاع الحكومة البريطانية عن نهجها، معتبرة أن كشف التفاصيل الآن «غير مسؤول»، يرى منتقدون أن استمرار الغموض يقوض الثقة ويغذي الانطباع بأن لندن قد تكون بصدد التزامات تتجاوز قدراتها الفعلية.

ومع اقتراب أي تصويت برلماني محتمل، يبدو أن الضغط سيتصاعد على حكومة ستارمر لتقديم إجابات واضحة حول مهمة قد تضع بريطانيا في قلب أخطر مواجهة أوروبية منذ عقود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى