كيف ستحاول أوروبا إنقاذ غرينلاند من ترامب؟ أربع استراتيجيات لردع رئيس لا يمزح

لم تعد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند مادة للسخرية في العواصم الأوروبية. فبعد سنوات من التقليل من شأن تصريحاته، بات صانعو القرار في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي يتعاملون مع سيناريو كان يُعدّ حتى وقت قريب مستحيلاً: رئيس أمريكي يلوّح علناً بالسيطرة على إقليم أوروبي ذي حكم ذاتي، ولا يستبعد القوة العسكرية لتحقيق ذلك.
ودفع الخطاب المتصاعد من البيت الأبيض، مقروناً بإعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عزمه بحث «استحواذ» الولايات المتحدة على غرينلاند مع المسؤولين الدنماركيين، أوروبا إلى حالة استنفار سياسي غير مسبوقة. دبلوماسي أوروبي مطلع على النقاشات الجارية لخص الموقف بوضوح: «ترامب عدائي، ويجب أن نكون مستعدين لمواجهة مباشرة معه».
في هذا السياق، تحدث موقع POLITICO مع مسؤولين ودبلوماسيين وخبراء أمنيين لرسم خريطة الخيارات المتاحة أمام أوروبا. النتيجة: أربع استراتيجيات رئيسية، جميعها محفوفة بالمخاطر، لكنها تمثل محاولات أخيرة لردع واشنطن عن الذهاب بعيداً.
أولاً: التسوية السياسية ومنح ترامب “نصراً” شكلياً
يرى دبلوماسيون في الناتو أن أسرع طريق لاحتواء الأزمة قد يكون عبر صفقة تفاوضية تسمح لترامب بالخروج بمكسب سياسي يروّج له داخلياً، دون المساس بالسيادة الدنماركية أو إرادة سكان غرينلاند.
وتشمل المقترحات تعزيز الوجود العسكري الأطلسي في القطب الشمالي، وتكثيف المناورات، وربما نشر قوات رمزية في الجزيرة لطمأنة واشنطن بشأن ما تصفه بـ«الفراغ الأمني».
وضمن هذا الخيار، يُطرح دور للناتو كوسيط، على غرار تدخله السابق لاحتواء نزاعات بين دول أعضاء. كما يُناقش إنشاء نموذج «حارس القطب الشمالي» عبر نقل أصول عسكرية للحلف إلى المنطقة. الهدف واضح: إقناع ترامب بأن أمن غرينلاند مضمون دون الحاجة إلى الاستحواذ عليها.
ثانياً: إغراق غرينلاند بالأموال الأوروبية
تعتمد إدارة ترامب علناً خطاب دعم استقلال غرينلاند، ملوّحة بإغراءات مالية ضخمة إذا ما انفصلت عن الدنمارك ووقّعت اتفاقاً مع واشنطن. الرد الأوروبي يتمثل بمحاولة تقديم عرض أفضل.
وتخطط بروكسل لمضاعفة إنفاقها على غرينلاند اعتباراً من 2028، ليصل إلى نحو 530 مليون يورو على مدى سبع سنوات، إضافة إلى تمويلات أخرى مخصصة للأقاليم النائية. وستشمل الخطط الجديدة، إلى جانب الدعم الاجتماعي، تطوير البنية التحتية وقدرات استخراج المعادن، وهي النقطة التي يراها ترامب جوهرية في رهانه على الجزيرة.
والرهان الأوروبي هنا سياسي بامتياز: كسب قلوب سكان غرينلاند عبر التنمية والاستثمار، وإقناعهم بأن مستقبلهم الاقتصادي أقرب إلى أوروبا منه إلى الولايات المتحدة.
ثالثاً: الرد الاقتصادي واستخدام “بازوكا التجارة”
يمتلك الاتحاد الأوروبي سلاحاً اقتصادياً ثقيلاً يتمثل في أداة مكافحة الإكراه التجاري، التي تتيح له الرد على أي ضغوط أو تمييز اقتصادي.
ومع صادرات أوروبية إلى الولايات المتحدة تتجاوز 600 مليار يورو سنوياً، ترى بروكسل أن لديها قدرة حقيقية على إيلام واشنطن اقتصادياً.
لكن المشكلة، كما يعترف مسؤولون أوروبيون، تكمن في المصداقية. فترامب اعتاد التهديد، وغالباً ما يراهن على تردد الأوروبيين في التصعيد. لذلك، فإن تفعيل هذا الخيار يتطلب استعداداً سياسياً لتحمل تبعات مواجهة تجارية مفتوحة مع أقرب حليف تاريخي.
رابعاً: الوجود العسكري على الأرض
يبقى هذا الخيار الأكثر حساسية وخطورة. من الناحية القانونية، تعتبر غرينلاند جزءاً من الأراضي الدنماركية، ما يفرض على كوبنهاغن واجب الدفاع عنها في حال تعرضها لهجوم.
ويناقش دبلوماسيون أوروبيون إمكانية نشر قوات أوروبية في الجزيرة، إذا طلبت الدنمارك ذلك، لرفع كلفة أي تحرك عسكري أمريكي.
صحيح أن تلك القوات لن تصمد أمام قوة أمريكية كبرى، لكنها قد تشكل عامل ردع سياسي وأخلاقي، عبر وضع جنود أوروبيين في مواجهة مباشرة مع الجيش الأمريكي. غير أن هذا السيناريو، كما يحذر خبراء، يفتح باباً لمخاطر غير محسوبة، قد تصل إلى سقوط قتلى واندلاع أزمة غير مسبوقة داخل المعسكر الغربي.
في المحصلة، تبدو أوروبا أمام معضلة تاريخية: إما احتواء ترامب عبر مزيج من التنازلات والردع الناعم، أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع رئيس أمريكي أثبت مراراً أنه لا يعترف بالخطوط الحمراء التقليدية.
وفي كلتا الحالتين، لم تعد غرينلاند جزيرة نائية في القطب الشمالي، بل أصبحت اختباراً قاسياً لقدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها… حتى في مواجهة واشنطن.



