رئيسيشئون أوروبية

أوروبا تكثف جهودها الدبلوماسية لتفادي أزمة غرينلاند في عهد ترامب

كثفت الحكومات الأوروبية تحركاتها الدبلوماسية في محاولة لاحتواء أزمة متصاعدة مع الولايات المتحدة بشأن جزيرة غرينلاند، بعد أن صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تصريحاته واعتبر أن السيطرة على الإقليم تمثل “ضرورة من منظور الأمن القومي”.

وتمثل هذه التحركات تحولاً لافتاً في الموقف الأوروبي، بعد فترة من التقليل من شأن تصريحات ترامب خشية منحها زخماً سياسياً، قبل أن تتضح جدية التهديدات واحتمال تحولها إلى أزمة استراتيجية تمس جوهر التحالف عبر الأطلسي.

وأفاد دبلوماسيون أوروبيون بأن الحكومات شنت هجوماً دبلوماسياً ذا مسارين متوازيين: الأول عبر التواصل المكثف مع واشنطن والكونغرس الأميركي لشرح الموقف الدنماركي والغرينلاندي، والثاني من خلال حلف شمال الأطلسي، عبر الدفع نحو تهدئة مخاوف ترامب الأمنية وتعزيز الدور الجماعي للناتو في القطب الشمالي بما ينزع الذريعة الأميركية للتحرك الأحادي.

وجاء هذا التحول في الخطاب الأوروبي متزامناً مع موقف أكثر صراحة عبّر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي حذر في خطابه السنوي حول السياسة الخارجية من أن الولايات المتحدة “قوة راسخة تنأى تدريجياً عن بعض حلفائها وتتحرر من القواعد الدولية التي لطالما روجت لها”.

ويعد هذا التصريح أوضح انتقاد أوروبي حتى الآن للنهج الأميركي المتشدد في ملف غرينلاند.

وكان ترامب قد صعّد لهجته خلال الأيام الماضية، مؤكداً للصحفيين أن الولايات المتحدة “بحاجة إلى غرينلاند” لأسباب أمنية، ورافضاً استبعاد أي خيارات، بما في ذلك التدخل العسكري.

واعتبرت الدنمارك هذه التصريحات تهديداً مباشراً يمس أحد أقاليمها ذات الحكم الذاتي، محذرة من أن أي تحرك قسري قد يضرب أسس حلف الناتو الذي يضم 32 دولة، بينها الولايات المتحدة بوصفها القوة العسكرية الأكبر فيه.

ورغم أن غرينلاند ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، فإنها جزء من مملكة الدنمارك، العضو الكامل في التكتل.

وتجري معظم الجهود الدبلوماسية بعيداً عن الأضواء. فقد أجرى السفير الدنماركي لدى واشنطن جيسبر مولر سورنسن، إلى جانب ممثل غرينلاند جاكوب إسبوسيثسن، سلسلة محادثات مكثفة مع مشرعين أميركيين في مبنى الكابيتول.

وقال دبلوماسي أوروبي إن الهدف هو إيصال رسالة واضحة مفادها أن غرينلاند لا ترغب في أن تُشترى أو تُضم، وأن كوبنهاغن لا ترى أي مصلحة في مثل هذه الصفقة. وفي تطور غير معتاد، عبّر بعض حلفاء ترامب علناً عن معارضتهم لفكرة ضم غرينلاند بالقوة.

ومن المتوقع أن يقدم المسؤولون الدنماركيون إحاطة رسمية حول تطورات الملف خلال اجتماع لسفراء الاتحاد الأوروبي، وسط تأكيدات بتضامن واسع من عواصم التكتل مع كوبنهاغن.

كما طُرحت القضية في اجتماعات مغلقة لسفراء الدفاع والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، رغم أنها لم تكن مدرجة رسمياً على جدول الأعمال.

وفي موازاة ذلك، ناقش سفراء حلف الناتو في اجتماع مغلق في بروكسل سبل تعزيز الوجود الأطلسي في منطقة القطب الشمالي.

وبحسب ثلاثة دبلوماسيين في الحلف، تركزت المناقشات على تحسين القدرات الاستخباراتية لمراقبة المنطقة، وزيادة الإنفاق الدفاعي، ونقل معدات عسكرية إضافية، وتكثيف التدريبات المشتركة.

ووصفت الأجواء داخل الاجتماع بأنها “مثمرة وبناءة”، مع توافق واسع على ضرورة منع أي تصعيد.

ويستند ترامب في تبرير موقفه إلى مزاعم عن تنامي النفوذ الروسي والصيني قرب غرينلاند، مشيراً إلى وجود سفن “مهدِّدة” في محيطها.

غير أن خبراء أمنيين يشككون في هذه الرواية، مؤكدين أن تركيز موسكو وبكين العسكري ينصب أساساً على شرق القطب الشمالي.

ومع ذلك، شدد نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس على أن واشنطن تريد من أوروبا “أخذ أمن غرينلاند بجدية أكبر”، ملوحاً بإجراءات أميركية إذا لم يتحقق ذلك.

ويرى الأوروبيون أن الحل الأمثل يكمن في تسوية وسط تُقنع ترامب بأن تعزيز دور الناتو كفيل بتأمين الجزيرة دون الحاجة إلى تغيير وضعها السيادي، تفادياً لأزمة قد تهدد تماسك الحلف والعلاقات عبر الأطلسي في مرحلة شديدة الحساسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى