بعد خمسة وعشرين عامًا من المفاوضات الشاقة والمراحل الدبلوماسية المعقدة، حصلت أكبر صفقة تجارية في تاريخ الاتحاد الأوروبي على الموافقة النهائية يوم الجمعة، مما يمهد الطريق لإنشاء منطقة تجارة حرة بين أوروبا ودول ميركوسور في أمريكا اللاتينية، والتي تشمل البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي.
وستلغي الصفقة، التي تنتظر الآن مصادقة البرلمان الأوروبي، أكثر من 90% من الرسوم الجمركية على صادرات الاتحاد الأوروبي، ما يمنح المستهلكين الأوروبيين إمكانية الوصول إلى منتجات مثل لحم البقر الأرجنتيني، فيما ستتمتع السيارات الألمانية بمزايا جمركية عند تصديرها إلى أمريكا اللاتينية.
وتقدر المفوضية الأوروبية أن الاتفاقية قد تضيف نحو 77.6 مليار يورو إلى اقتصاد الاتحاد بحلول عام 2040، أي ما يعادل 0.05% من الناتج الإجمالي، وهي مكاسب اقتصادية متواضعة مقارنة بحجم الجهود الدبلوماسية التي بذلت لإبرام الصفقة.
ومن أبرز المستفيدين من الاتفاقية رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي نجحت في اللحظات الأخيرة في انتزاع تنازلات لصالح المزارعين الإيطاليين، ما ضمن دعم إيطاليا للاتفاقية.
وتمكنت روما من الحصول على ضمانات للسوق الزراعي ووعود بتمويل إضافي من المفوضية الأوروبية، ما يعزز موقف ميلوني داخليًا ويظهر قدرتها على اللعب السياسي بمهارة في الأزمات الأوروبية المعقدة.
كما استفاد قطاع صناعة السيارات الألماني بشكل واضح. مع خفض الرسوم الجمركية تدريجيًا، ستصبح صادرات السيارات الألمانية، بما فيها السيارات الكهربائية، إلى دول ميركوسور أكثر تنافسية، ما قد يزيد المبيعات ويعزز أرباح شركات مثل فولكس فاجن وبي إم دبليو.
ورغم أن البرازيل طلبت إزالة الرسوم بشكل تدريجي لحماية صناعتها المحلية، فإن الاتفاقية تمنح الصناعة الأوروبية فرصة لتعزيز حصتها السوقية في أمريكا اللاتينية.
وتعتبر رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، التي قادت جهود إتمام الصفقة على مدى السنوات الماضية، هي الأخرى رابحة.
فقد نجحت في كسب الأغلبية المؤهلة وحشد الدعم اللازم للاتفاقية، ما يعكس قدرة بروكسل على إبراز نفوذها في النظام الدولي القائم على القواعد، في وقت تتنافس فيه الولايات المتحدة والصين على النفوذ في أمريكا اللاتينية.
على الجانب الآخر، لم يكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سعيدًا بالاتفاقية، إذ عارضها باستمرار خشية تأثيرها على مزارعي فرنسا. رغم محاولاته الحثيثة لإفشال الصفقة في اللحظات الأخيرة، فشل ماكرون في كسب الدعم المطلوب، ما يمثل هزيمة سياسية قد تؤثر على شعبيته المتراجعة داخليًا.
كما أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يُنظر إليه كخاسر سياسي في هذا السياق، حيث لم تحقق الولايات المتحدة أي مكاسب ملموسة من الاتفاقية، بينما عززت أوروبا مكانتها في أمريكا اللاتينية بشكل مستقل عن النفوذ الأمريكي التقليدي.
الصين أيضًا تواجه تأثيرًا مزدوجًا، فبينما استفادت من توسيع صادراتها إلى أمريكا اللاتينية على مدى السنوات الماضية، فإن الاتفاقية الأوروبية قد تحد من بعض مكاسبها في القطاعات التنافسية، مثل السيارات والطيران، رغم استمرار التعاون السياسي والاقتصادي بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور.
في الوقت ذاته تثير الاتفاقية مخاوف بيئية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بغابات الأمازون المطيرة، إذ ستؤدي زيادة إنتاج لحوم البقر في أمريكا الجنوبية إلى ضغط أكبر على الموارد الطبيعية.
ومع ذلك، تضمنت الصفقة التزامات صارمة ضد إزالة الغابات غير القانونية، والتزامًا بالمعايير البيئية لاتفاقية باريس للمناخ، ما يقلل من المخاطر المحتملة على البيئة العالمية.

